الكلمة السامية التي ألقاها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود – حفظه الله – أمام أعضاء مجلس الشورى في حفل افتتاح أعمال السنة الثانية من الدورة الرابعة.

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:

أيها الأخوة أعضاء مجلس الشورى:

بسم الله، وعلى بركة الله، نفتتح أعمال السنة الثانية من الدورة الرابعة لمجلس الشورى، سائلاً المولى – عز وجل – أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يعيننا على حمل المسئولية.

أيها الأخوة الكرام:

لقد أعز الله هذه الدولة لأنها أعزت دين الله، وسارت على نهج ثابت يتوارثه خلف عن سلف، وسوف تبقى عزيزة لا يضرها من عاداها مادامت ترفع راية التوحيد وتحكم شرع الله.

أيها الأخوة:

إن منهجنا الإسلامي يفرض علينا نشر العدل بين الناس، لا نفرق بين قوي وضعيف، وأن نعطي كل ذي حق حقه، ولا نحتجب عن حاجة أحد، فالناس سواسية، فلا يكبر من يكبر إلا بعمله، ولا يصغر من يصغر إلا بذنبه.

إن ديننا الإسلامي يعلمنا أن المؤمنين أخوة، وسوف نسعى – بإذن الله – إلى ترسيخ روابط هذه الأخوة، متأملين أن تجتمع كلمة العرب والمسلمين، وتتوحد صفوفهم، ويعودوا قادة للحضارة وللبشرية، وما ذلك على الله بعزيز.

إننا نرتبط بأشقائنا العرب بروابط اللسان والتاريخ والمصير، وسوف نحرص دوماً على تبني قضاياهم العادلة مدافعين عن حقوقهم المشروعة، خاصة حقوق أشقائنا الفلسطينيين. آملين أن يتمكن العرب بالعزيمة الصادقة، من الخروج من ليل الفرقة إلى صبح الوفاق، فلا عزة في هذا العصر بلا قوة، ولا قوة بلا وحدة.

إننا جزء من الأسرة الدولية، نتأثر ونؤثر بما يدور فيها، وسوف يبقى موقفنا قائماً على الصداقة والتعاون مع الجميع، ونشر السلام، مدركين أن رخاء العالم وحدة لا تنقسم، ومن هذا المنطلق سوف نستمر في سياستنا المعتدلة في إنتاج البترول وتسعيره وحماية الاقتصاد الدولي من الهزات.

أيها الأخوة:

إن الإسلام يدعو إلى توفير الحياة الطيبة لأبنائه وسبيلنا إلى تحقيق ذلك هو التنمية الشاملة التي سنسعى – بإذن الله – إلى استكمالها، متلمسين خير المواطن وسعادته، آملين أن نحقق له أسباب السكن والعمل والتعليم والعلاج وبقية الخدمات والمرافق، وسنحرص على مكافحة الفقر، والاهتمام بالمناطق التي لم تحصل على نصيبها من التطور وفقاً لخطط التنمية المدروسة.

إننا لا نستطيع أن نبقى جامدين والعالم من حولنا يتغير، ومن هنا سوف نستمر – بإذن الله – في عملية التطوير، وتعميق الحوار الوطني، وتحرير الاقتصاد، ومحاربة الفساد، والقضاء على الروتين، ورفع كفاءة العمل الحكومي، والاستعانة بجهود كل المخلصين العاملين من رجال ونساء، وهذا كله في إطار التدرج المعتدل المتمشي مع رغبات المجتمع المنسجم مع الشريعة الإسلامية.

وتعلمون أن التنمية لا يمكن أن تتحقق إلا في جو من الأمن والأمان، ولهذا فنحن نجدد العزم على القضاء على الفئة الضالة من الإرهابيين القتلة، ومكافحة الفكر التكفيري بالفكر السليم، فلا مكان في بلاد الحرمين الشريفين للتطرف، فنحن – ولله الحمد – أمة وسط بعيدة عن الإفراط والتفريط، ومن هذا المنبر نحيي جنود الأمن الشجعان وبقية قواتنا الباسلة. ونشيد ببطولاتهم، ونترحم على شهدائهم، ونبشرهم بالنصر المبين – إن شاء الله –.

أيها الأخوة الكرام:

لقد كنتم خير معين على التطوير بما عرضتم من آراء سديدة، وما اقترحتم من تنظيمات حكيمة، ولا يراودنا أي شك أنكم ستواصلون القيام بدوركم الهام متحملين مسئوليتكم أمام الله ثم أمام وطنكم ومواطنيكم.

أيها الأخوة الكرام:

أقول لكل مواطن ومواطنة لقد عرفتكم خلال السنين كما عرفتوني، وقد كنتم على الدوام مخلصين صادقين أوفياء للعهد، وستجدوني – إن شاء الله – مخلصاً لديني ثم لوطني صادقاً معكم وفياً للعهد، ستجدوني معكم في السراء والضراء أخاً وأباً وصديقاً صادقاً، سأكون بينكم في المسيرة الواحدة نرفع كلمة الإسلام، ورفعة الوطن.

وما توفيقنا إلا بالله عليه توكلنا وإليه ننيب.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود – حفظه الله – التي وزعت في حفل افتتاح أعمال السنة الثانية من الدورة الرابعة لمجلس الشورى يوم السبت 26 ربيع الأول من العام 1427هـ

الحمد لله رب العالمين ، القائل في محكم التنزيل " وشاورهم في الأمر " والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

أيها الأخوة :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد :

فعلى بركة الله تعالى نفتتح أعمال السنة الثانية من الدورة الرابعة لمجلس الشورى ، وفي هذه المناسبة تتجدد آمالنا وطموحاتنا وأهدافنا لخدمة وطننا العزيز ، بعد أن انطلقت تجربتنا الشورية منذ عقود طويلة ، وأفردت لنفسها مساحة واسعة ضمن خريطة المجالس النيابية على مستوى العالم .

ونحن إذ نجتمع اليوم فإنه لا يغيب عن بالنا أن نذكر بكل التقدير والاحترام مؤسس هذه الدولة السعودية جلالة الملك عبد العزيز – طيب الله ثراه – الذي كان من أولوياته في الحكم تطبيق مبدأ الشورى وإشراك ذوي الحل والعقد في إبداء الرأي وسن الأنظمة والتعليمات ، وكان هذا النهج نبراساً سار عليه من بعده أبناؤه أصحاب الجلالة : الملك سعود والملك فيصل والملك خالد رحمهم الله جميعاً . ثم أعقبهم في هذا السياق باني النهضة الحديثة في المملكة العربية السعودية خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز – رحمه الله – الذي عمل جاهداً منذ أن تولى مسؤولية الحكم على الارتقاء بالمملكة إلى مصاف الدول المتقدمة في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بحنكة وسياسة ، كما عُني بقضايا أمته العربية والإسلامية فتفاعل معها وكانت لـه مواقفه المخلصة عربياً وإسلامياً وعالمياً . كما كانت له ـ رحمه الله ـ أياد بيضاء في مسيرة الشورى ، حيث أعاد تكوين مجلس الشورى في هيئة عصرية وأصدر لـه نظاماً ، فبدأ المجلس مرحلة جديدة من العمل والعطاء .

أيها الأخوة الأفاضل :

إن الشورى في المملكة العربية السعودية تمثل دعائم أصيلة راسخة قامت المملكة على أساسها ، وكلما أوغلنا في دراستها وتطبيقاتها اتضحت في أذهاننا صور الأصالة والتطوير والإصلاح . فالشورى وعاء التعاون ، وصمام الأمان ، ومصدر الرأي السديد ، وبها تصان الحقوق والحريات بإذن الله ، وتكتمل مسؤوليات الفرد والجماعة. وعلى هذا الأساس قام مجلس الشورى في المملكة العربية السعودية .

إن مما يسرنا ـ أيها الأخوة ـ ما نراه في هذا المجلس وهو يواصل مسيرته من تحقيق الكثير من الإنجازات والمشاركة في صنع القرارات ، والإسهام في إيجاد المعالجات الناجحة للتحديات والطموحات الآنية والمستقبلية ، والتركيز على القضايا الجوهرية التي تهم الوطن والمواطن ، وقد أصبح بذلك سنداً قوياً للدولة ، وحلقة رئيسة في منظومة مؤسسات السلطة التنظيمية . كما أن مما يسرّ ما تحقق من عضوية المجلس في العديد من الاتحادات البرلمانية سواء على المستوى العالمي أو القاري أو الإقليمي ، وتفاعله مع نظرائه الأعضاء في هذه الاتحادات تفاعلاً إيجابياً يعطى ويأخذ ما يراه مفيداً لتطوير عمله وآلياته مما يحقق أهدافه السامية ، ولا نريد لمجلس الشورى أن يتوقف عند هذا القدر من المسؤوليات ، بل نتوقع منه أن يستمر في عطائه وأن يقترح من الأنظمة واللوائح ابتكاراً وتعديلاً ما يرى فيه مواكبة للمستجدات المعاصرة ومصلحة راجحة لهذه الأمة التي تتطلع إلى المجلس على أنه عضد قوي للدولة بجميع أجهزتها المختلفة .

أيها الأخوة :

إن الأصول التي أسست عليها المملكة تقوم على ركائز أساسية هي عقيدة التوحيد ، وسماحة الإسلام ورحابة مبادئه واحتوائه أسس التعايش السلمي لجميع أمم العالم مهما اختلفت انتماءاتهم الدينية والطائفية والعرقية بعيداً عن روح البغضاء وصراع الحضارات مما يؤجج الصراع بين الشعوب ، فالمسلمون دعاة حوار ، ودعاة للسلام العادل القائم على احترام الحقوق ، وعدم التنكر للمواثيق الدولية ، وهم أيضاً دعاة التعايش السلمي بين الأمم والشعوب ، فالإسلام يحرّم الظلم ويوجب رعاية حقوق الناس ويصون حياتهم ، وقد عاش أتباع الأديان السماوية في ظل الحضارة الإسلامية ينعمون بعدل الإسلام وأمنه ، والمسلمون هم أول من طبق مبادئ حقوق الإنسان والتعايش والاحترام المتبادل ، والتعامل بالحسنى مع جميع البشر . ومن منطلق الإيمان بهذه التعاليم الربانية والتوجيهات الدينية فإن المسلمين بقدر ما يمتنعون عن الإساءة إلى أي دين من الأديان ، فإنهم لا يقبلون بأي حال من الأحوال ، أن يسيء غيرهم إلى دينهم ، أو أن يحاول تشويه صورته ، أو أن ينال من نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم أو يطعن في عقائدهم ، أو أن يمس شيئاً من مقدساتهم . هذا موقف المسلمين ممن يشن حرباً عدائية مغرضة على دينهم الحنيف وعلى نبيهم المصطفى الكريم صلى الله عليه وسلم في هذه المرحلة التي تتنادى فيها الأمم إلى التحالف بين الحضارات .

في هذا الإطار فالإسلام أيضاً ينبذ العدوان والتطرف والإرهاب ، ومواقف المملكة الثابتة القائمة على هذا الدين الحنيف ترفض الإرهاب مهما اختلفت صوره وتعددت مسوغاته ، إذ هو شرّ ماحق ، يزرع الفتنة بين المجتمعات ، ويثير الكراهية والحقد بين الناس .

إن الإرهاب لا يعترف بحدود ، ولا يفرق بين الشعوب مهما تباينت معتقداتها وألوانها وأعراقها ، وقد عانت المملكة في الأعوام الأخيرة من ظاهرة الإرهاب البشعة التي لا تعترف بأبسط المبادئ الدينية والإنسانية ، ولا تقدر حرمة الأرواح ، والممتلكات، بل لا تستشعر فظاعة تخويف الآمنين وترويعهم ، ورفع السلاح في وجه الأبرياء .

لقد تعرضت المملكة في الأعوام الأربعة الماضية لأكثر من عملية إرهابية شملت التفجيرات وجرائم القتل ، راح ضحيتها الكثير من المواطنين ـ رجال أمن وغيرهم ـ والمقيمين .

وأمام هذه الأعمال الإجرامية ، لم يكن للمملكة من خيار سوى مجابهة هؤلاء المعتدين ، ودحرهم ، وتخليص المجتمع من شرورهم . وبفضل من الله تعالى استطاع رجال الأمن البواسل إحباط مخططات هؤلاء الإرهابيين والتصدي لهم ، وحقق رجال الأمن النجاحات تلو النجاحات ، حتى صارت عنوان شرف ووسام بطولة في جبين الوطن .

وقد كان من نتائج هذه الأعمال البطولية لأجهزة الدولة في التصدي لظاهرة الإرهاب أن توافرت للمملكة خبرة متميزة في مكافحة ظاهرة الإرهاب ، جديرة أن تكون مثلاً يحتذى لباقي الدول التي تعاني من الظاهرة ذاتها .

ولم تكتف المملكة بمحاربة الإرهاب بالوسائل الأمنية فقط ، وإنما تعدى ذلك إلى السعي نحو قطع جذوره ، من خلال مكافحة كل مظاهر التعصب والكراهية التي تغذي الإرهاب ، وتتيح للضالين ما قد يرونه مسوّغاً لأعمالهم الإجرامية . ولم يقتصر الجهد السعودي على النطاق المحلي ، وإنما دعت المملكة في العام الماضي إلى مؤتمر عالمي لمناقشة هذه الظاهرة وبحث وسائل مكافحتها وبادرت إلى الدعوة إلى إنشاء مركز دولي لمكافحة الإرهاب إيماناً بالدور الحيوي لتعاون الدول في محاربة الإرهاب واستشعاراً لأهمية تكاتف الجهود الدولية في ملاحقة الإرهابيين وتفكيك تنظيماتهم ، فليس هناك مجتمع إنساني محصن ضد هذه الظاهرة ، لأن الإرهاب لا وطن له ولا دين .

ومن هنا أيضاً دعت المملكة إلى تبنى خطاب إسلامي مستنير في عالم اليوم .. يوضح حقائق الإسلام ومعانيه وأن الإسلام بريء من كل ما نسب إليه من تهم ليست فيه ولا في ممارساته ولا في علاقة المنتمين إليه مع الآخرين ، وفي هذا السياق أيضاً طالبنا في مؤتمر الإرهاب الذي أقيم في لندن نهاية العام الماضي بعقد مؤتمر دولي عام لبحث موضوع الإرهاب وتحديد مسبباته ، وإيجاد حلول عملية للقضاء عليه برعاية من هيئة الأمم المتحدة وإنطلاقاً من المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب الذي احتضنته المملكة في بداية العام السابق وما تمخض عنه من قرارات . ولذلك قامت المملكة بالدعوة لعقد المؤتمر الإسلامي الاستثنائي في مكة المكرمة وتم عقد المؤتمر في شهر ذي القعدة من عام 1426هـ ، وقد خرج المؤتمر بنتائج ذات أهمية كبيرة نسأل الله أن يوفق إلى تنفيذها . وقد دعونا المسلمين في موسم الحج الماضي إلى تبني معاني هذا النسك العظيم في الممارسات والأعمال السياسية والاجتماعية والقانونية والتعاملية مع الآخرين ، كما نادينا إلى تبني خطاب إسلامي مستنير يوضح حقائق الدين الإسلامي ويفتح الأذهان والأفكار على عظمة هذا الدين القويم في التعامل مع كل المتغيرات بمنطق وسطي وباعتراف بمصالح وحقوق الآخرين وبضرورة الاحترام بين أبناء الإسلام وغيرهم من المنتمين لجميع الديانات الأخرى .

ونؤكد هنا أن على الجامعات والمؤسسات التعليمية ورجال الفكر والتربية والقلم والدعاة والعلماء أن يبينوا المنهج الوسطي للإسلام القائم على التسامح والاحترام المنافي للتشنج والعداء ليعرف العالم أجمع رسالة الإسلام وحقيقته وأنه جاء رحمة للعالمين .

أيها الأخوة :

واصلت المملكة مسيرتها الإصلاحية ، وقد أخذ الحوار الوطني يكتسب اهتماماً ملحوظاً في الآونة الأخيرة وحراكاً واسعاً من قبل المفكرين على اختلاف اختصاصاتهم واهتماماتهم ، مما يؤكد تكريس سياسة الحوار وإرساء قواعدها في مختلف مفاصل الحياة باعتبارها عملية متكاملة ودرباً من دروب التطوير والتحديث والإصلاح التي تمر بها المجتمعات في سعيها إلى إرساء قيم تؤسس لمعالم الأمن المجتمعي والاستقرار السياسي والإصلاح المستهدف .

لذا جاءت المنتديات الموسعة والحوارات التي نظمها مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني لتبرز جانباً كبيراً من هذا الاهتمام والإدراك الحقيقي لوظيفة الحوار وفن الاتصال بالآخرين وهي الوسيلة التي تتكامل وتتفاعل عبر التوسع في منظومة المجتمع المدني ومؤسساته ذات المعالم الواضحة، والتي يمكن أن تتراكم فيما بعد على شكل ممارسات وقيم وآليات للتعبير الحضاري والإنساني .

أيها الاخوة ..

إن مسيرة التنمية متواصلة وآفاق المستقبل لتنمية مستدامة مفتوحة . وهذه التنمية ليست فقط مجرد تنمية تتحدث عن إنجازات عملاقة في الحقول الخدمية والصناعية والاجتماعية على أرض هي الأقسى في تضاريسها ومناخها وإنما هي مشروع نهضوي شامل يضع الإنسان السعودي في قلب التنمية جزءاً أصيلاً فيها ، وليس مجرد منتفع ليلامس خصوصية التاريخ لإنسان شرّف الله بلاده باحتضان الحرمين الشريفين بكل مترتبات هذا التشريف من واجبات وتكليف .

إن الحديث عن شأننا الداخلي من أقرب الحديث على نفسي – كما تعلمون – فالشأن الداخلي في بلادنا لـه مرتكزات وثوابت أساسية محورها المواطن والموارد ، فالمواطن هو المستهدف في كل ما تتخذه الدولة من إجراءات وسياسات باعتباره هدف التنمية ووسيلتها ، أما الموارد الاقتصادية فهي المحرك الذي من خلاله تقوم الدولة بالوفاء بالتزاماتها بما يحقق طموحات المواطن ورفاهه في إطار تنمية مستدامة .

في هذا الإطار سألقي الضوء على أهم ما حققته خطة التنمية السابعة المنتهية من إنجازات تعبر عنها لغة الأرقام ، ففي مجال تنمية الموارد البشرية بلغ ما رصد لها (276.9) بليون ريال ، وهو ما يشكل نسبة ( 56.7% ) من إجمالي الإنفاق على قطاعات التنمية في الخطة ، وتحقق نتيجة ذلك ارتفاع في عدد الطلبة والطالبات في الجامعات ، وكليات البنات ، وفي الجهات التعليمية الأخرى من (371.5) ألف طالب وطالبة في نهاية الخطة السادسة إلى نحو (560) ألف طالب وطالبة في العام الخامس من خطة التنمية السابعة بزيادة بلغت (50.7%) ، أما التعليم العام فبلغ عدد الطلبة والطالبات (4.36) ملايين بنهاية الخطة السابعة وبزيادة مقدارها (9%) عن عددهم في نهاية الخطة السادسة ، وارتفع عدد الطلبة في مراحل التعليم الفني المختلفة إلى حوالي ( 62.4 ) ألف بنهاية خطة التنمية السابعة بزيادة نسبتها (84%) عن عدد الطلبة في نهاية الخطة السادسة .

وفي مجال توظيف القوى العاملة الوطنية قامت وزارة الخدمة المدنية بترشيح (85.30) ألف من الجامعيين وغير الجامعيين في القطاع الحكومي ، وتوطين ( 7.87 ) آلاف وظيفة . وقد أدى ذلك إلى ارتفاع عدد الموظفين والمستخدمين المنتسبين لنظام الخدمة المدنية من (595.2) ألف بنهاية خطة التنمية الساسة إلى نحو (763.3) ألف بنهاية خطة التنمية السابعة بزيادة نسبتها حوالي (28.2%) ويشكل السعوديون بنهاية خطة التنمية السابعة ما نسبته (91%) من إجمالي الوظائف المشغولة في القطاع الحكومي .

وبالنسبة للقطاع الخاص ارتفع حجم العمالة السعودية من (2.71) مليون بنهاية خطة التنمية السادسة إلى (3.53) مليون بنهاية خطة التنمية السابعة بمعدل نمو سنوي مقداره (6%) . وبلغ عدد السعوديين الذين تم ترشيحهم من قبل مكاتب العمل (296.6) ألف خلال الخطة بنسبة (85%) من إجمالي المسجلين لدى مكاتب العمل . يضاف إلى ذلك من تم توظيفهم مباشرة من قبل القطاع الخاص. ونتيجة لحملة التوظيف الوطنية التي نظمتها وزارة العمل في السنة الأخيرة للخطة تم توظيف حوالي (60) ألف من المسجلين في الحملة بالقطاع الخاص .

لقد حقق القطاع الزراعي زيادة إجمالية في الإنتاج المحلي بمعدلات مرتفعة يمكن التعرف عليها من أرقام منجزات الخطة .

وفيما يتعلق بالمياه فقد زادت أطوال شبكات مياه الشرب من (31.7) ألف كيلومتر بنهاية الخطة السادسة إلى (36.1) ألف كيلومتر بنهاية العام الأخير من خطة التنمية السابعة بزيادة نسبتها (14%) ، وزادت التوصيلات الدولية للمياه بنسبة (7.4%) ، كما زادت أطوال شبكات الصرف الصحي بنسبة (29%) وزادت كميات المياه المحلاة بنسبة (31.8%) .

وفي مجال الطاقة الكهربائية زادت بنهاية خطة التنمية السابعة بنسبة (25.3%) مقارنة بنهاية الخطة السادسة ، كما زاد عدد المشتركين بنسبة (33.2%) .

وحقق قطاع الصناعة قفزات متميزة حيث ارتفع عدد المصانع من نحو (3300) مصنع بنهاية العام الأخير في خطة التنمية السادسة إلى (3723) مصنعاً بنهاية الخطة السابعة ، وزادت قروض صندوق التنمية الصناعية السعودي خلال خطة التنمية السابعة (11.8) بليون ريال استفاد منها (217) مشروعاً صناعياً .

أما الخدمات التجارية فقد زادت من (43.813) ألف مؤسسة بنهاية العام الأخير من الخطة إلى حوالي (555.63) ألف بنهاية الخطة السابعة بزيادة نسبتها (26.8%) ، وزاد عدد الشركات من (9.7) آلاف شركة في الخطة السادسة إلى حوالي (13.54) ألف شركة في الخطة السابعة بزيادة نسبتها (39.6%) في عدد الشركات ، (31.6%) في حجم رأس المال .

وشهد القطاع الصحي ارتفاعاً في عدد المستشفيات والأسرة ، ومراكز الرعاية الصحية الأولية بمعدلات مرتفعة يمكن الإطلاع على أرقامها الكثيرة من منجزات الخطة .

وزاد عدد المستفيدين من الضمان الاجتماعي بنسبة (97.3%) مقارنة بالسنة الأخيرة من الخطة السادسة ، وبلغ إجمالي المبالغ المنصرفة للمستفيدين من نظام الضمان الاجتماعي خلال الخطة السابعة (13.31) بليون ريال بنسبة (100%) تقريباً من المبالغ المنصرفة خلال خطة التنمية السادسة .

وبالنسبة للنقل والاتصالات فقد ارتفعت أطوال الطرق المعبدة بنسبة قدرها (14.1%) ، وزادت مقاسم الهاتف الثابت بنسبة (34.2%) ، وزاد الهاتف الجوال بنسبة (996.8%) عن عدد الخطوط بنهاية خطة التنمية السادسة .

لقد حقق الاقتصاد الوطني معدل نمو سنوي بنسبة (3.61%) ، ويفوق ذلك المعدل المستهدف في الخطة المقدر بحوالي 3.23% .

أيها الأخوة :

لقد صدرت خطة التنمية الثامنة التي تشتمل على العديد من المعطيات والمكاسب من أبرزها :

- رفع مستوى المعيشة وتحسين نوعية الحياة وتوفير فرص العمل للمواطنين .

- تنمية الموارد البشرية عن طريق الاستمرار في تطوير التعليم والتدريب واكتساب المهارات والتوسع في العلوم التطبيقية والتقنية .

- تنويع القاعدة الاقتصادية وتحسين إنتاجية الاقتصاد الوطني وتعزيز قدراته التنافسية تركيزاً على الصناعات الاستراتيجية والتحويلية وبخاصة الصناعات كثيفة الاستخدام للطاقة ومشتقاتها، وصناعة الغاز الطبيعي والتعدين والسياحة وتقنية المعلومات وذلك عبر تذليل العوائق للاستثمار والإسراع في تنفيذ استراتيجية التخصيص .

- زيادة مساهمة القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

- تطوير منظومة العلوم والتقنية والاهتمام بالمعلوماتية ودعم البحث العلمي والتوجه نحو اقتصاد المعرفة .

- زيادة مشاركة المرأة السعودية وتعضيد دور الأسرة في المجتمع والحفاظ على قيمها الإسلامية والعربية من خلال تطوير قدرات المرأة وإزالة المعوقات أمام توسيع مشاركتها في الأنشطة الاقتصادية والإنمائية . كما تضم الخطة العديد من البرامج والمشروعات مما يتصل مباشرة بحياة المواطنين ورفاههم وتحسين مستوى معيشتهم .

وفي هذا السياق صدرت الميزانية العامة للدولة للسنة المالية 1426/1427هـ والتي يبلغ حجمها ( 335 ) ألف مليون ريال وهي أعلى ميزانية شهدتها المملكة ومن ملامحها الرئيسة :

- في مجال التعليم العام : إنشاء (2673) مدرسة جديدة للبنين والبنات في جميع المناطق ، إضافة إلى المدارس الجاري تنفيذها حالياً البالغ عددها (3300) مدرسة .

- في مجال التعليم العالي : افتتاح ثلاث جامعات جديدة في كل من حائل والجوف وجازان ، وإضافة برنامج إضافي للابتعاث الخارجي في تخصصات الطب والهندسة والحاسب الآلي والمحاسبة والقانون .

- في مجال التعليم الفني والتدريب المهني : إنشاء ثلاث كليات تقنية للبنين وتجهيزها ، وثلاثة معاهد عليا للبنات ، وإثنى عشر معهداً للتدريب المهني ، وكذلك افتتاح ثلاث كليات تقنية للبنين وتشغيلها ، وخمسة معاهد تقنية عليا للبنات ، وتسعة معاهد للتدريب المهني .

- الخدمات الصحية والتنمية الاجتماعية : إنشاء وتجهيز (440) مركزاً للرعاية الصحية الأولية ، وإنشاء (24) مستشفى ، إضافة إلى ما يجري حالياً نحو تنفيذ (89) مستشفى .

فيما يتعلق بالخدمات الاجتماعية : إنشاء المزيد من دور الرعاية والملاحظة الاجتماعية ومراكز التأهيل ، ومبانٍ لمكاتب العمل والضمان الاجتماعي ، إضافة إلى دعم إمكانات وزارة العمل ، ووزارة الشؤون الاجتماعية لتحقيق أهداف التنمية الاجتماعية ، ورفع المخصص لمشروع الإسكان الشعبي في جميع مناطق المملكة إلى عشرة آلاف مليون ريال ، وزيادة الحد الأعلى لمخصصات الضمان الاجتماعي السعودي للأسرة من (16.200) ستة عشر ألفاً ومائتي ريال إلى (28.000) ثمانية وعشرين ألف ريال .

وفي هذا السياق أيضاً فإن المملكة العربية السعودية تؤمن بالتكافل الاجتماعي للتخفيف من ويلات الكوارث الطبيعية وغيرها من الكوارث ولا تتوانى في تقديم مساعداتها الإنسانية الداعمة للمتضررين من هذه الكوارث في أرجاء المعمورة .

كما زادت الاعتمادات المخصصة للخدمات البلدية ، والنقل والاتصالات ، والمياه والزراعة والتجهيزات الأساسية ، وزيادة رأس مال صناديق التنمية المتخصصة وبرامج التمويل الحكومية ، وبرامج إقراض الجامعات والكليات والمدارس الأهلية .

أيها الأخوة :

لقد شهد هذا العام تطورات اقتصادية مهمة ، واتخذت إجراءات من شأنها تعزيز مسيرة الاقتصاد الوطني وتحقيق مكاسب يعود مردودها إيجاباً ـ بإذن الله ـ على الوطن والمواطن ، من أبرزها :

انضمام المملكة لمنظمة التجارة العالمية :

إن هذا الانضمام يتيح للمملكة الفرصة للعمل جنباً إلى جنب مع البلدان الأخرى ذات الأهداف المشتركة ، وفي مقدمتها مجموعة الدول النامية ، واستخدام قوتها ووزنها الاقتصادي في توجيه مسار العولمة لصالحها قدر الإمكان ، وسوف يسهم ذلك في ضمان وتكامل أنظمة المملكة التجارية وتوافقها مع النظام التجاري الدولي مثلما سيساعد في الحفاظ على القوة المحركة للتنمية الاقتصادية ، ويعزز الثقة في تنمية الاستثمار ، ويحقق انفتاحاً اقتصادياً .

ولكي تكتمل إيجابية الانضمام فمن المهم أن يطور القطاع الخاص قدراته التنافسية والتأقلم مع متطلبات هذا الانضمام ومواجهة تحدياته للاستفادة من إيجابياته ، كما أن من المهم أن تتأقلم أجهزة التعليم والتدريب وتتفاعل مع ما يتطلبه سوق العمل من مخرجات تلبي احتياجاته وتحقق له المنافسة المستهدفة .

إن عضوية المملكة في منظمة التجارة العالمية ستفتح آفاقاً واسعة أمام اقتصادنا الوطني نحو المزيد من القوة والتأثير المتفاعل والإيجابي مع الاقتصادات العالمية ، وتعزيز قدراته على استقطاب حصة أكبر من التدفقات الاستثمارية العالمية بما يعود على المملكة بمردود إيجابي ويواصل قوة بنائها الاقتصادي وزيادة ثقله على خريطة الاقتصاد الدولي .

إنشاء مدينة الملك عبد الله الاقتصادية :

إن هذه المدينة – التي تم وضع حجر الأساس لها – أنموذج أمثل للتنمية المستدامة القادرة على إيجاد واقع اقتصادي متكامل ، وإحداث استثمار غير مسبوق للثروة الوطنية ، فهي نمط جديد من مشروعات التنمية العملاقة التي تخدم أهدافاً متعددة في وقت واحد ، ويعد مشروع المدينة واحداً من أكبر المشروعات الاستثمارية على مستوى العالم ويصل إجمالي استثماراته إلى (100) مليار ريال ، وسيقوم بتنفيذ هذا المشروع تجمع سعودي إماراتي وبمشاركة العديد من شركات القطاع الخاص في المملكة وسيتم مستقبلاً طرح (30%) من المشروع للاكتتاب العام ، وسيضم المشروع ميناء بحرياً يستقبل (500) ألف حاج ومعتمر كل موسم ، ومنطقة صناعية ، ومرافق شاطئية ، ومكاتب للمؤسسات المالية ، ومدينة تعليمية ، ومجموعة متميزة من الفنادق ، ومركزاً للمعارض والمؤتمرات , وعدداً من الأحياء السكنية ، وأسواقاً ومتاجر ، ويوفر هذا المشروع حوالي نصف مليون وظيفة لأبناء الوطن.

مشروع الشعيبة للمياه والكهرباء :

تم توقيع عقد المشروع مع القطاع الخاص بنظام البناء والتشغيل والتملك بتكلفة قدرها تسعة مليارات ريال ومن ضمن أهدافه تحلية المياه المالحة وتوليد الطاقة .

شبكة السكة الحديد ( الشمال / الجنوب ) :

تم توقيع عقد الإشراف على تنفيذ الشبكة التي يبلغ طول خطوطها (2400) كيلومتر وسيتم بمشيئة الله طرح تنفيذها في منافسة عالمية مفتوحة ، ويمثل هذا المشروع أهمية حيوية واستراتيجية للاقتصاد الوطني ، حيث يسهم في توسيع وتنويع القاعدة الإنتاجية ، وتوفير الفرص الوظيفية للمواطنين ، وزيادة نشاط النقل للمنتجات البترولية والزراعية والصناعية ، والبضائع .

تشييد جسر جديد للجمرات بأربعة مسارات ، واستكمال الأعمال المتبقية من مشروع توسعة المسجد النبوي :

لقد بدأ العمل بإزالة جسر الجمرات الحالي تمهيداً لبدء العمل في الجسر الجديد الذي يتكون من أربعة طوابق وتوفير (23) مدخلاً ومخرجاً لضمان سلامة الحجاج ، ويستوعب الجسر الجديد (5) ملايين حاج يرمون الجمرات وقت الذروة وبتكلفة قدرها (4.2) مليارات ريال وسيتم الانتهاء من تنفيذ الجسر بمراحله كافة في موسم حج عام 1429هـ . كما سيتم استكمال الأعمال المتبقية من مشروع توسعة المسجد النبوي- إن شاء الله - وذلك بتكلفة قدرها (4.7) مليارات ريال .

زيادة رواتب جميع فئات العاملين السعوديين :

تم زيادة رواتب العاملين السعوديين في الدولة من مدنيين وعسكريين ، ومخصصات المتقاعدين بنسبة (15%) وذلك لحفزهم على الأداء المتميز ومقابلة متطلبات الحياة الناجمة عن ارتفاع مستوى المعيشة.

منتدى الطاقة الدولي بالرياض .

تقرر إقامة منتدى الطاقة الدولي بالرياض باعتبار أن هذا المنتدى وأمانته العامة يهدفان إلى الحوار والتعاون بين منتجي ومستهلكي البترول والطاقة ، ويسعى المنتدى إلى تجسير الحوار المتبادل بين الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة ، وينطلق ذلك من أهمية دور المملكة في احتضان هذا المقر وتنظيم حواراته .

المجالس البلدية :

باشرت المجالس البلدية أعمالها بعد انتخاب حر ونزيه شهد بحياديته المجتمع السعودي ووسائل الإعلام الدولية ، حيث تم الانتهاء من تكوين هذه المجالس التي تضم في عضويتها الأعضاء الذين تم انتخابهم ، وكذلك من تم تعيينهم ، وإن مباشرة هذه المجالس لأعمالها سيحدث نقلة نوعية لدعم العمل البلدي المشترك ودقة الإنجاز وسلامة الأداء .

الأنظمة والقرارات :

استكمالاً لما تم في السنوات الماضية من إجراءات وقرارات تهدف إلى تعزيز هيكل الاقتصاد الوطني تم خلال هذا العام الموافقة على العديد من الأنظمة التي من شأنها تدعيم البيئة الاستثمارية من أهمها :

- الترتيبات التنظيمية لأجهزة القضاء وفض المنازعات .

- تنظيم هيئة حقوق الإنسان .

- نظام الكهرباء .

- تكوين مجلس لحماية المنافسة يهدف إلى منع الاحتكار ويحقق المنافسة العادلة .

- الضوابط المتعلقة بطرح المساهمات العقارية .

- نظام العمل الذي جاء بنص ذي طابع عام يبرز هدفاً تسعى الدولة لتحقيقه.

أيها الأخوة :

نتيجة لما تحقق من إنجازات أصبحت المملكة تحظى بتميز اقتصادي على المستوى العالمي ، ومن أهم ملامح هذا التميز :

- تصدرت المملكة الدول العربية في جذب الاستثمارات الأجنبية وقفزت إلى المرتبة (38) عالمياً من (155) دوله متفوقة بذلك على دول كثيرة منها دول أوروبية متقدمة .

- تم تصنيف المملكة على أنها من أكبر عشرين دولة في اقتصادياتها .

- احتلت المملكة المرتبة (23) في قائمة الدول الرئيسة المصدرة للسلع وشهد العالم بجودتها وسعرها المنافس ، ولم تعد المملكة بلداً مصدراً فقط للنفط بل بلغت الصادرات السعودية غير النفطية عام 2005م ما مقداره (19) مليار دولار ، ووصلت المنتجات السعودية إلى أكثر من (120) دولة .

إن الشراكة الاستراتيجية في الشؤون السياسية والاقتصادية بين المملكة وبعض الدول أسلوب تنتهجه المملكة في سياساتها الخارجية .

وانطلاقاً من ذلك جاءت الزيارات التي قمنا بها إلى كل من الصين ، وماليزيا ، والهند ، والباكستان .

إن هذه الزيارات تنسجم مع متطلبات المرحلة ، وتعزز العلاقات التجارية والسياسية مع نصف سكان العالم ، فالدبلوماسية السعودية النشطة باتت تضع على رأس جداولها الخارجية أولوية وأهمية كبرى لخريطة العلاقات الثنائية والاقتصادية العالمية والمستنده منذ أمد بعيد على الاعتدال والعقلانية والتوازن من خلال الإبتعاد عن التوظيف المغلوط لهذه العلاقات ، الأمر الذي يكشف عن نمط خاص من التفكير السياسي المتوازن للمملكة حتى في حقبة التجاذبات الدولية .

وقد كانت هذه الجولة بمحطاتها تمثل التوجه شرقاً الذي يعني توسعة دائرة العلاقات الاقتصادية والسياسية في ظل عالم سادت فيه معالم التشابك والتعاون الدولي وبات الفارق في السيادة والاستقلال والأمن والاستقرار مقروناً بمستويات التنمية والتطوير والتحديث . ومن ثم فإن الخطاب السعودي " التوجه شرقاً " جاء متناسباً مع التوجه الاقتصادي للمملكة الذي ترجم عملياً بالانضمام إلى منظمة التجارة العالمية ، مما يبرز أيضاً التوجهات والتطلعات الاقتصادية والسياسية المستقبلية للدولة التي يتضح من خلالها وجود رؤية لحركة التطوير والتحديث والإصلاح التي يتم فيها استلهام التجارب التنموية في هذا المجال كافة.

إن حركة التجارة بين السعودية والصين والهند وماليزيا وباكستان ، تؤكد أهمية هذه الجولة من حيث حجم الاستثمارات المشتركة والتبادل التجاري الذي ينمو بصورة متسارعة وكبيرة مما يعزز أبعاد هذه الشراكة وبما يظهر إيجاباً على الاقتصادات السعودية التي تشهد نمواً عالياً وتوسعاً كبيراً في المشروعات الاقتصادية والتنموية الاستراتيجية ، في مناخ استثماري سعودي بات مستقطباً للاستثمارات الخارجية بدلاً من أن يكون مصدراً لها .

لقد تم خلال هذه الزيارات التوقيع على اتفاقيات لتأسيس شراكات جديدة وتعزيز شراكات قائمة بين رجال الأعمال السعوديين ونظرائهم في هذه الدول في مجالات عدة منها : قطاعات المياه ، والنفط والغاز ، وتحلية المياه ، وتقنية المعلومات والاتصالات والبناء والتشييد ومجالات الصناعة والزراعة والغذاء ... وغيرها .

وفي هذا الإطار تحرص المملكة دائماً على استقرار السوق العالمية للبترول ولا تسعى لزيادة أسعاره ولا ترغب في أن تظل الأسعار على هذه المستويات المرتفعة ، وستستمر في بذل جهودها لوقف جموح الأسعار ، وتؤكد المملكة أنها وحدها لا تستطيع التحكم في هذه الأسعار فهناك عوامل مضاربات السوق والمنافسة الناجمة عن زيادة الطلب في الأسواق الآسيوية ذات اعتبار في هذا الباب .

ولم يغب عن الخطاب السعودي في هذه الجولة مد جسور التواصل مع مسلمي العالم ومنهم مسلمو الصين والهند ، لتثبيت المبادئ الإسلامية في إطار الخطاب الإسلامي الخالص البعيد عن التوظيف السياسي أو الاقتصادي أو الإعلامي، بل يأتي ذلك شعوراً من المملكة بالمسؤولية الكبرى الملقاة على عاتقها تجاه المسلمين في العالم .

أيها الأخوة :

هناك بعض القضايا التي نتطلع إلى التركيز عليها في المرحلة القادمة بإذن الله من أبرزها :

- الاهتمام المتواصل بزيادة الإسكان وبخاصة للطبقات الفقيرة .

- توفير أراضٍ لبناء المساكن ، والمدارس المعتمدة في الميزانية .

- الاهتمام بالتنمية الإقليمية المتوازنة وتفعيل الخطط في هذا الجانب .

- تفعيل الشراكة بين أجهزة الدولة والقطاع الخاص وتأطير علاقة متوازنة في هذا المجال تصب معطياتها أساساً نحو توفير المزيد من الفرص الوظيفية لأبناء الوطن والمساهمة في تحقيق برنامج السعودة والإحلال وتنمية وتطوير القوى العاملة .

- بناء مجتمع معلوماتي حديث يأخذ بأسباب التطور والتقدم استشعاراً للدور الحيوي الذي تؤديه العلوم والمعرفة التكنولوجية في تدعيم مسيرة التنمية ورسم مستقبل أفضل للمملكة .

- تفعيل استراتيجية معالجة الفقر والإسراع في حصر الحالات الفقيرة على مستوى كل مدينة وقرية وتحديد احتياجاتهم وزيادة مصادر التمويل لصندوق معالجة الفقر .

- توفير بيئة تنظيمية أكثر مناسبة لجذب الأموال المهاجرة لتعود إلى الوطن جنباً إلى جنب مع الاستثمارات الأجنبية التي يتم استقطابها في ظل اتفاقيات منظمة التجارة العالمية .

- توسيع مشاركة المواطنين في الاكتتاب العام بالشركات المساهمة ذات الجدوى الاقتصادية وأن تنظم هيئة السوق المالية ذلك من خلال أساليب ومحددات ميسرة ومرنة .

- تعزيز وضع المرأة الذي توليه المملكة كل رعاية واهتمام لتؤدي دورها في التنمية وتنهض بالواجب الملقى عليها مواطنة تشارك مشاركة أساسية في عمليات البناء والتطوير مما يتطلب المزيد من تفعيل القرارات الصادرة نحو التوسع في مجالات عمل المرأة في إطار القيم الإسلامية التي تحفظ للمرأة كرامتها وعزتها ومكانتها ، ومن المؤمل أن يوفر القطاع الخاص لها الوظائف المناسبة انطلاقاً من القرارات الصادرة من مجلس الوزراء ووزارة العمل في هذا الشأن .

أيها الأخوة :

على الرغم من اهتمامنا بأوضاعنا الداخلية لم تكن السياسة الخارجية وهموم أمتنا العربية والإسلامية غائبة عنا أبداً بل كانت في مركز اهتماماتنا .

ففي الشأن الفلسطيني أكدنا على أن التصعيد الإسرائيلي وأعمال العنف والإرهاب التي تمارسها إسرائيل ضد الفلسطينيين يهدف إلى إحباط التقدم على طريق السلام ، ويقتضي الواقع المعاش للفلسطينيين أن يخرج المجتمع الدولي عن صمته تجاه هذا الصلف الإسرائيلي المستمر .

وفيما يخص الأوضاع في العراق فأملنا أن يدرك الجميع أن مصلحة المنطقة هي في بقاء العراق كياناً سياسياً عربياً إسلامياً موحداً مستقلاً ممثلاً لجميع أبنائه وطوائفه وبمنأى عن التدخل في شؤونه الداخلية .

إن للدبلوماسية السعودية زخمها وفعاليتها وتأثيرها في الشأن الإقليمي والدولي وفي الآفاق الجديدة التي تفتحت أمام بناء شراكات اقتصادية وتجارية وتقنية لا تقل أهمية عن شراكات المملكة التقليدية مع أوروبا وأمريكا ، فالقوى السياسية والاقتصادية الناهضة في الشرق الأقصى ودورها المرشح للتزايد على المسرح الدولي لم تكن غائبة – كما ذكرنا - عن الدبلوماسية السعودية .

إن المملكة ـ بفضل الله ـ استطاعت أيضاً أن تفتح آفاقاً واسعة للتعاون مع أوروبا بالانطلاق من منطلقات الرؤى المتطابقة أو المتقاربة لقضايا الشرق الأوسط ورفع قضاياه إلى دائرة الاهتمام الدولي .

لقد قامت المملكة بدور لتقريب وجهات النظر والمصالحة بين سوريا ولبنان ، وقد تقدمت المملكة بمشروع مصالحة بينهما ، يأخذ في حسابه أمن كل منهما وحمايته من التدخل الأجنبي أو توظيف قوى داخلية تؤجج الخلاف وتقوم بأدوار من شأنها خلق مجال للتوتر .

أما موضوع التسلح النووي الإيراني فإن الحل الدبلوماسي هو الطريق السليم ، وإن تشجيع إسرائيل ومدها بالإمكانات المادية والعلمية وتحفيزها على خلق ميزان رعب بالمنطقة ، هو سبب رئيس في البحث عن سلاح مساو في القوة والردع ، ومثل هذه الفوضى قد تجد طريقها لأكثر من بلد ما لم توضع المسائل في سياقها الأمني واعتبارها حقاً لكل الشعوب . ويتطلب ذلك إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل .

أيها الأخوة :

إن قيام البرلمان العربي يمثل حراكاً واسعاً ومنعطفاً مهماً وتغيراً نحو الأفضل في توسعة دائرة المشاركة الشعبية في القرار العربي على المستوى الأعلى ، فانطلاق أعمال أول برلمان عربي تحت مظلة جامعة الدول العربية يعطي قيمة وإضافة مؤسساتية برلمانية ودفعة للعمل العربي المشترك نحو التفاعل مع هموم المجتمع وأصوات الشارع العربي الحقيقية ، وأخذها في حسبان القرار العربي ، كما أن قيام هذا البرلمان يعد خطوة متقدمة في مسار الإصلاح والتطوير الذي يعيشه كل مجتمع عربي لاستيعاب المتغيرات والمستجدات في عالم كوني تتسارع خطاه .

أيها الأخوة :

عقدت دول مجلس التعاون الخليجي قمتها الأخيرة تحت مسمى " قمة الملك فهد " في أبو ظبي تقديراً من هذه الدول لدور الملك فهد – يرحمه الله – في المساهمة في بناء مجلس التعاون وإسهاماته في إنجاح دور هذا المجلس . ولقد تناولت هذه القمة طيفاً واسعاً من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية ودرست توصيات اللجان المتخصصة التي رفعت لقادة دول المجلس في إطار مسيرة التعاون والتكامل الخليجي ، وقد شكلت قمة " أبو ظبي " نقلة تكاملية في مسيرة التعاون نظراً للتجانس والتلاحم والتآزر الذي يربط قادة دول المجلس وشعوبها .

وإلى جانب البيان الختامي الذي صدر عن القمة الخليجية فقد صدر أيضاً إعلان " أبو ظبي " الذي تضمن رؤية استراتيجية لتحديات المرحلة الراهنة في منطقة الخليج ترتكز على أهمية تطوير النظم التعليمية بما يواكب التحدي المعرفي والتقني المتسارع لثورة المعلومات ، كما دعا الإعلان إلى تطوير الموارد البشرية وتنميتها حتى تنسجم مع متطلبات التنمية وغير ذلك من رؤى استراتيجية .

إننا سعداء بما يحققه مجلس التعاون لدول الخليج العربية بتدرج وهدوء وعقلانية وما يسعى إليه من تكامل وتنسيق بين دوله تحقيقاً لمصالح شعوبه .

وختاماً ابتهل إلى الله عز وجل أن يديم علينا نعمة الإسلام ، ويوفقنا على آداء الأمانة ، ويحفظ بلدنا ويديم عليها نعمة الأمن والاستقرار .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،

كلمة معالي رئيس مجلس الشورى الشيخ الدكتور/ صالح بن عبد الله بن حميد في افتتاح أعمال السنة الثانية من الدورة الرابعة

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه .

خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز .

صاحب السمو الملكي ولي العهد ، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع والطيران والمفتش العام الأمير/ سلطان بن عبد العزيز .

أصحاب السمو الملكي الأمراء .

أصحاب الفضيلة العلماء .

أصحاب المعالي الوزراء .

أيها الحفل الكريم ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

ففي هذا اليوم المطير يوم الغيث والرحمة إن شاء الله ، نحمد الله سبحانه وتعالى على فضله وكرمه ، ونحمده سبحانه على ما تنعم به بلادنا من أمن واستقرار ورخاء ونمو في هذا العهد الزاهر الميمون ، ونحمده سبحانه على ما مَنَّ به من التفاف الأمة حول قيادتها في كل الأحوال والظروف والمتغيرات التي مرت بها بلادنا الغالية العزيزة وتعاملت معها بكل قوة وعزم وحكمة وحزم .

لقد كان فضل الله على هذه البلاد عظيماً ، فيوم شاء الله سبحانه واقتضت حكمته أن ينتقل خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز رحمه الله رحمة واسعة إلى جوار ربه بعد أن دوّن صفحات ناصعة في سجل دولته وأمته ، وتحققت على يديه نهضة تنموية واسعة ، واعتلت البلاد مكاناً سابقاً بين دول المنطقة والعالم ، وكنتم عضده الأمين وساعده المعين ، تسلمتم الراية من بعده، حين مد لكم شعبكم يده مبايعاً في مشهد شعبي مهيب مدفوعاً بالحب والثقة والولاء الصادق لكم ولسمو ولي عهدكم الأمين ، فقدتم المسيرة ، وواصلتم السير على الخطى التي رسمها الملك المؤسس الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل آل سعود غفر الله لـه وسار عليها من بعده إخوانكم الملوك : سعود وفيصل وخالد وفهد رحمهم الله جميعاً . وأمدكما الله بعونه وتأييده ، وجعل التوفيق حليفكما في القول والعمل .

خادم الحرمين الشريفين :

في مثل هذه الأيام من كل عام يكون لمجلس الشورى موقف تاريخي أمام المليك، يتوّج به عاماً مضى ، ويستقبل فيه عاماً جديداً في ظل رعاية سامية ، وعناية كريمة يحظى بهما منذ تأسيسه .

لقد مضى عام من الدورة الرابعة لمجلس الشورى يضاف إلى مسيرة هذا المجلس الطويلة التي بلغت أربعة وثمانين عاماً ، حيث بدأها مؤسسُ هذه البلاد وبانيها جلالةُ الملكُ عبد العزيز طيب الله ثراه ، فوضع منهجَ هذا المجلس وأرسى قواعدَه على مبادئ دينِنا الحنيف ، مجسداً بذلك تعاليم الإسلام التي تقوم على التعاون والتآزر والمشاورة والنصيحة والإخلاص بين الراعي والرعية .

وفي هذا الموقف نستذكر بالحب والتقدير والوفاء ، والدعاء بالرحمة والمغفرة والفردوسِ الأعلى الجهود العظيمةَ للمليكِ الراحل خادم الحرمين الشريفين فهدِ بن عبد العزيز – رحمه الله – تجاه هذا المجلس وتجاه دينه ووطنه .

لقد حقق المليكُ الراحل رحمه الله منجزاتٍ كبيرةً سواء في المجال التنظيمي حيث أصدر الأنظمة الثلاثة الرئيسة : النظامَ الأساسيَ للحكم ونظامَ مجلسِ الشورى ونظامَ مجالس المناطق ، أو في المجال العملي متمثلاً فيما اشتملت عليه خططُ التنمية ، وترسيخُ البنية الأساسية ، والتوسعةُ الكبرى للحرمين الشريفين ، لقد كان عهده ـ رحمه الله ـ مسيرة رائدة في إنجازاتها على الأصعدة كافة الداخلية والخارجية والإقليمية والدولية ، جسّدت بعد النظر ، ونهج الحكمة والشجاعة في اتخاذ القرار ولا سيما في إدارة الأزمات. ولا يمكن تجاوز هذه الإشارة دون التنويه بالاهتمام الخاص الذي كان يوليه رحمه الله بالشأن الإسلامي في دُوَله وأقلياته ، دعوة إلى الله ودعماً لقضاياه ومشاركةً في همومه وإغاثة حين الكوارث والنكبات .

إن الحديث عن منجزات الملك الراحل وجهوده ولا سيما نحو هذا المجلس حديث ذو شجون ، لقد أناط رحمه الله بالمجلس مسؤوليات كبيرة واسعة تمكنه من القيام بحاجات الوطن والمواطن ، وتلمس كل ما فيه مصلحة تعود ثمارها على أبناء هذا البلد المعطاء . وكانت لـه اليد الطولى في إعادة تحديثه ، فجدد نظامه ، وأعاد تكوينه لينطلق في العمل مسهماً مع الحكومة في النهوض بالوطن والمواطن .

ثم ها أنتم يا خادم الحرمين الشريفين تواصلون المسيرة بما عرف عنكم من حكمة وبعد نظر ، فترعون هذا المجلس وتولونه العناية كيما يحقق الآمال المرجوة من إنشائه ، معيناً للدولة ، وسنداً لأجهزتها ، وصوتاً للمواطن ، وصدى لطموحه وآماله من خلال أعضائه الذين يستشعرون ما وصفتموهم به أثناء تشرفهم باللقاء بكم لتجديد البيعة حين قلتم " إنكم تمثلون شعب الإيمان والعقيدة والوفاء والإخلاص التمثيل الصحيح إن شاء الله " ، ويرعون ما أكدتموه حفظكم الله من السير على منهج الكتاب والسنة الذي سارت عليه هذه البلاد حرسها الله منذ إنشائها إلى اليوم بقولكم : " إن بلادكم بإرادة الله سائرة على الطريق المستقيم بالكتاب والسنة ولن تحيد عنه أبداً مهما كان " ، وما نوهتم عنه من وقوف هذا الشعب المسلم وراء قيادته وما تنعم به البلاد من أمن وأمان وهدوء وطمأنينة ولله الحمد .

خادم الحرمين الشريفين :

في هذا الموقف لا بد من الإشادة والتسجيل بالاعتزاز والاستبشار بما وصلت إليه بلادنا من تجاوز الأحداث المؤسفة التي قامت بها فئة ضالة تأثرت بأفكار منحرفة ، فقد تغلب الوطن على تلك الأحداث بفضل الله سبحانه وتعالى ثم بفضل حزم القيادة وحكمتها وإخلاص رجال الأمن والمواطنين ، وتكاتف الجهود الأمنية والفكرية والتربوية للقضاء على ما تبقى من ذيول هذا الفكر المنحرف الذي يتنافى مع نهج التسامح واليسر والوسطية التي يدعو إليها ديننا الحنيف ويمثلها هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .

وفي هذا الموقف أيضاً نستذكر مناسبات مهمة وإنجازات وطنية شهدتها المملكة في العام المنصرم بتوجيهكم ورعايتكم منها : انعقاد مؤتمر القمة الإسلامي في مكة المكرمة ، وما انتهى إليه من وضع برنامج للعمل الإسلامي يتصدى للتحديات التي يواجهها العالم الإسلامي من النواحي كافة ، وزياراتكم الميمونة الناجحة لبعض الدول الكبرى في آسيا مما رسّخ علاقات التعاون بين بلادنا وتلك البلدان ، ولا سيما في المجال الاقتصادي ، وهاهو عضدكم الأيمن سمو ولي العهد يواصل المسيرة ليتوجه إلى دولة كبرى آسيوية أخرى ، كما نستذكر ما حفلت به ميزانية هذا العام من تقديرات كبيرة في الإيرادات وما خصص منها للمصروفات على مشروعات التنمية وبرامجها من أرقام كبيرة تعزز النشاط الاقتصادي المتنامي للمملكة ، وما أصدرتم من توجيهات للأجهزة التنفيذية تؤدي إلى حسن استعمال هذه الموارد ورفع مستوى معيشة المواطن.

وننوه هنا بما شهده سوق الاقتصاد في بلادنا ، من نمو متزايد بدعم من السيولة المالية ، وللارتفاع في أسعار النفط أثره الكبير ، وأبرز ما في سوق اقتصادنا هذه الأيام سوق الأسهم إذ زاد عدد المتداولين من أقل من 250 ألف مساهم عام 1422-2002م إلى أكثر من ثلاثة ملايين ، وهي طفرة وقفزة تجاوزت كلَّ الحواجز والحسابات ، بل المعوقات التنظيمية والتخطيطية .

إن هذه السوق بمقدورها أن تولد ثروةً هائلة في توفير السيولة وجذبِ المستثمرين من الداخل والخارج وإعادةِ صياغة الاستراتيجيات إنتاجاً واستثماراً وتسويقاً بل إيجادِ أسواق جديدة وابتكارِ سياسات ومنتجات جديدة .

ولقد كان لمتابعة مقامكم الكريم وحرصكم على مقدرات شعبكم من صغار مرتادي هذا السوق وكباره الأثرُ في توازنه واستقراره وانعقادِ الآمال الكبرى عليه ، مع ما يحتاجه ذلك من مزيد من الشفافية في التعامل والتنظيم والإفصاح ومحاسبة المتلاعبين .

خادم الحرمين الشريفين :

إن انضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية يقتضي إدخال تغييرات كبيرة في أنظمة التجارة والعمل وإدارة اقتصاد البلاد واستثماراته كما يتطلب وضع أطر تنظيمية فعالة مع مراقبتها ومراقبة مواكبتها مع المتغيرات السريعة بل والتنافسات المفروضة على دول العالم بعامة ودول منطقتنا بخاصة ، بل إننا ندرك يا خادم الحرمين الشريفين أن الظرف يتطلب تطوير قطاعات اقتصاد جديدة مثل السياحة والنقل واعتماد نهج جديد لتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية للقطاع الخاص . وكل هذه الآليات والمناشط يتابعها مجلس الشورى ويتعامل معها ويتفاعل ، مؤكداً في الوقت نفسه أنه بحاجة إلى مزيد من التحديث ومزيد من الصلاحيات ليواكب تطلعاتكم وليقدم للمقام الكريم الرأي والنصيحة والمشورة والقرار الرشيد بطريقة علمية مخلصة إن شاء الله وليسهم مع زملائه في الجهات الأخرى في ضمان حسن الأداء لأجهزة الدولة والمؤسسات العامة من خلال تطوير دور المجلس الرقابي.

وننوه هنا بما تم ـ على صعيد المنجزات ـ من إكمال تكوين المجالس البلدية وبدئها في مباشرة مهامها المنوطة بها تفعيلاً لدورها المساند للأمانات والبلديات في سياق المؤسسات التي تسهم في دعم عمليات البناء والتنمية ، والمشاركة في المسؤولية والرأي وصنع القرار ، كما ننوه بالدور المنوط بمجالس المناطق وما تؤديه هذه المجالس من إسهام في التخطيط والتنمية ، ونشيد في هذا المقام بمناشط الحوار الوطني الذي يرعى ثوابت الأمة ويتفاعل مع قضاياها بالرأي والنصح والمشورة .

ولا ننسى في هذا الموقف قيام هيئة حقوق الإنسان ضمن منظومة تهدف إلى ضمان الحقوق الأساسية للمواطنين والمقيمين وفق أحكام شريعتنا الغراء وطبقاً لنصوص النظام الأساسي للحكم .

ومجلس الشورى وهو ينوه بذلك كله ليؤكد تعاونه مع كل جهة ومؤسسة من أجل بلوغ أهدافها النبيلة ودعم غاياتها السامية .

كما يثمن المجلس ـ يا خادم الحرمين الشريفين ـ باعتزاز المبادرات الإنسانية التي يقوم بها ملك الإنسانية لمساعدة الأشقاء والأصدقاء وعلاج المرضى وإغاثة المنكوبين في النوازل والكوارث .

خادم الحرمين الشريفين :

وفي السياق ذاته استمر المجلس في نهجه وحسب التوجيهات الكريمة في التواصل مع الجمهور سواء بطريقة مباشرة عبر حضور المواطنين لجلسات المجلس ، أو من خلال وسائل الاتصال الأخرى استشعاراً لمسؤولياته في الوقوف على هموم المواطن وآرائه ومقترحاته ، فكان التواصل بين المجلس والمواطن متنامياً عبر آليات فاعلة وبصورة مباشرة وانفتاح منضبط .

كما استمر المجلس منتهجاً سياسة الانفتاح على وسائل الإعلام الإذاعية والتلفازية والصحفية وغيرها ، واستطاع من خلالها ـ ولله الحمد ـ نقل صورة حسنة واقعية لأعماله إلى الجمهور ، ونحسب أنهم رأوا ممارسة شورية راقية في مناخ من الحرية المنضبطة والشعور بالمسؤولية وتقدير أمانة الكلمة . مقدراً الدور الذي يقوم به الإخوة الإعلاميون وحرصهم على أداء مهماتهم بمسؤولية ليكونوا جسراً بين المواطن ومؤسساته الخاصة والعامة مستهدفين الحقيقة في نقلها وطرحها وبحثها .

وواكب ذلك نشاطات للمجلس ومشاركات في كثير من المؤتمرات والاجتماعات البرلمانية العربية والإسلامية والدولية جعلت المجلس يخطو في ميدان الدبلوماسية البرلمانية خطوات متزايدة وأشواطاً متقدمة في مد جسور التعاون مع جميع البرلمانات الدولية عبر الزيارات الثنائية والاتحادات البرلمانية الإقليمية والدولية ولجان الصداقة ، وحرص المجلس من خلالها على بيان موقف المملكة إزاء القضايا العربية والإسلامية وحققت بحمد الله النتائج الإيجابية المرجوة من ورائها .

كما كان للمجلس على صعيد الاتحادات البرلمانية مشاركاته الفاعلة في العديد من المناشط التي تعقد ضمن أنشطة الاتحاد البرلماني العربي ، واتحاد مجلس الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي ، والاتحاد البرلماني الدولي وغيرها من الاتحادات التي يحرص المجلس فيها على إبراز الأسس الثابتة والراسخة التي تسير عليها هذه البلاد المباركة على الصعيدين الداخلي والخارجي ، ويظهر المجلس من خلالها رؤية المملكة إزاء القضايا الإقليمية والدولية .

وفي هذا السياق واصل المجلس برنامج استضافة عدد من الشخصيات البرلمانية المسلمة لأداء مناسك الحج بموافقة كريمة ، حيث تم خلال موسم الحج الماضي ( 1426هـ ) استضافة شخصيات برلمانية من المجالس البرلمانية في كل من : بريطانيا ـ بلجيكا ـ الفلبين ـ الكاميرون ـ ساحل العاج ـ كينيا ـ بورندي .

خادم الحرمين الشريفين :

إن مجلس الشورى وهو يستشرف المستقبل في عهدكم الميمون معتمداً بعد الله على ثقتكم به وثقة سمو ولي العهد ورعايتكم لأعماله وإنجازاته إلى مزيد من خطوات التطوير والدعم لأسلوب عمله ليعرض بهذه المناسبة ما قام به خلال العام الماضي من إنجازات وأعمال بمساندة وتوجيه من مقامكم الكريم وسمو ولي العهد الأمين ، من أبرزها : صدور جملة من الأنظمة الجديدة ومراجعة وتعديل بعض الأنظمة بلغ عددها (34) أربعة وثلاثين نظاماً ، وصدور عدة قرارات في مختلف الشؤون الإدارية والتنظيمية بلغت (107) مائة وسبعة قرارات ، وقد خضعت تلك الأنظمة وموضوعات القرارات لمناقشات ودراسات مستفيضة في (77) سبع وسبعين جلسة سبقتها اجتماعات كثيرة عقدتها لجان المجلس بلغت (263) مائتين وثلاثة وستين اجتماعاً .

ومما صدر خلال ذلك العام :

  1. نظام الهيئة العامة للغذاء والدواء .


  2. نظام الكهرباء .


  3. نظام تعريفة الطيران المدني .


  4. نظام الضمان الاجتماعي .


  5. نظام مكافحة الغش التجاري .


  6. نظام المرور .


إلى جانب مناقشة وثائق انضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية وخطة التنمية الثامنة للدولة ، ودراسة جملة من الاتفاقيات والمعاهدات منها :

  1. الاتفاقية المتعلقة بامتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها لعام 1964م .


  2. اتفاقية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لمكافحة الإرهاب .


  3. مشروع اتفاق السكك الحديدية الدولية في المشرق العربي المعد من قبل ( الإسكوا ) .


ولقد تفاعل المجلس مع توجيهات الدولة التي تهدف إلى تحقيق المصلحة الوطنية من حيث إجراءات انضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية والإسراع بخطوات الانضمام وذلك بالوفاء بالمتطلبات التي حققت هذه الخطوة الاقتصادية المهمة بإصدار عدة أنظمة لهذه الغاية وهي :

ـ نظام الاستثمار الأجنبي .

ـ نظام مكافحة الإغراق والتدابير التعويضية والحماية الوقائية .

ـ نظام الغش التجاري .

ـ نظام حماية الأموال العامة ومكافحة سوء استعمال السلطة .

ـ نظام السوق المالية .

ـ نظام العمل والعمال .

وقبل أن أتجاوز هذه النقطة أحب أن أشير إلى إنه ومع إدراك المجلس لطبيعة عمله وما تتطلبه الموضوعات التي يدرسها من وقت ودراسات واستضافة ذوي العلاقة من القطاعين العام والخاص وتفاوت المدد والأوقات التي تحتاجها الموضوعات حسب طبيعتها وطولها من أنظمة وتقارير واتفاقيات وغيرها .

ومع حرص المجلس على الإنجاز بقدر من الكمال والاستيفاء إلا أن عامل الوقت لـه حسابه في نظر المجلس وبخاصة تلك المعاملات المرتبطة بزمن محدد أو تحظى بتوجيه سام يعطيها صفة الاستعجال فإنها تلقى العناية اللازمة والسرعة المطلوبة .

وما نظرُ المجلس لموضوع انضمام المملكة لمنظمة التجارة الدولية وخطة الدولة الخمسية الثامنة وموضوع تجزئة الأسهم إلا نماذج لتعامل المجلس واستجابته لتأثير عامل الزمن مسترشداً بالتوجيهات الكريمة مؤكدين لمقامكم الكريم أن صفة الاستعجال هذه لا تؤثر بفضل الله وعونه على وفاء الدراسة ورشاد القرار.

خادم الحرمين الشريفين :

ما ذكر من هذه المنجزات وغيرها ما كانت لتتم لولا فضل الله تعالى وتوفيقه وتسديده ثم دعمكم وثقتكم ومؤازرتكم ودعم وثقة ومؤازرة سمو ولي العهد الأمين ، ولذا اسمحوا لي نيابة عن زملائي في المجلس وأصالة عن نفسي أن أزجي لمقامكم الكريم ولسمو ولي عهدكم الأمين جزيل الشكر ووافر التقدير على هذا الدعم وتلك الثقة والمؤازرة ، متطلعين إلى المزيد لبلوغ الغايات السامية التي تطمحون إليها وشعبكم الكريم ، والشكر موصول لحكومتكم الموقرة ولأجهزة الدولة كافة على تعاونها وتجاوبها ، وأؤكد لكم أننا في مجلس الشورى عازمون على مواصلة السير ـ بإذن الله ـ لتحقيق آمالكم ، باذلين ما في الوسع لنكون عند حسن ظنكم وظن إخواننا المواطنين، ساعون إلى ترجمة همومهم ونقل طموحاتهم وآمالهم من أجل غدٍ أفضل ومستقبل مشرق بإذن الله تعالى.

ولا يفوتني هنا أن أقدم الشكر خالصاً لزملائي معالي نائب رئيس المجلس ، ومعالي المساعد ، وأعضاء المجلس على ما بذلوه من جهد متميز في طروحاتهم وآرائهم والشكر موصول لمعالي الأمين العام ومنسوبي المجلس لجهودهم في أدائهم وعملهم .

وفقكم الله لكل خير ، وحفظكم وسمو ولي عهدكم ذخراً وعزاً ، وأدام على بلادنا الأمن والأمان ، إنه خير مسؤول .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .