مجلس الشورى عام 1362هـ

"بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد العزيز بن عبد الحمن الفيصل

إلى جناب المكرم الابن فيصل رئيس مجلس الشورى                               سلمه الله تعالى

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..وبعد:

فقد اطلعنا على التقرير السنوي لمجلس الشورى، وأعماله في عام 1361هـ المشكورة، برقم 472 وتاريخ 26 ذي الحجة 1361هـ، ونرغب أن تنقلوا للمجلس تمنياتنا عن مساعيهم، وجهودهم المشكورة، وحسن ثقتنا بهم.

وأن هذه الثقة تحملنا على تمديد مدة عملهم سنة أخرى اعتباراً من غرة المحرم 1362هـ.

ونسأل الله لكم ولهم التوفيق والنجاح.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".

ثم تقدم عضو المجلس أحمد بن إبراهيم الغزاوي، وألقى باسم المجلس الكلمة الآتية، وهذا نصها:

"بسم الله الرحمن الرحيم

مولاي صاحب السمو الملكي:

يجمل بنا الآن ونحن نصغي إلى المرسوم الملكي العالي بتجديد دورة المجلس أن نتبادل التهنئة على هذه الثقة الغالية التي ما برحت توقظ فينا أعمق الشعور بالشكر، وتنهض بنا حثيثاً إلى القيام بالواجب.

إننا حيث نحتفل اليوم بافتتاح هذه الدورة ننتهز فرصة تشريف سموكم إلى قاعة المجلس لنعرب عن الاغتباط الذي يسود جميع أعضاء المجلس بالفخر الذي ينالهم بهذا التشريف، وما تنطوي عليه من معان سامية، وفي نفس الوقت نجد أنفسنا في موقف يتقاضى منا جهوداً واسعة لاستئناف النشاط في جميع الأعمال المناطة بنا إلى أقصى حد ممكن.

مولاي صاحب السمو:

ليتفضل سموكم وليسمح بأن يتقبل منا بالنيابة عن جلالة عاهلنا المفدى أوفى عبارات الشكر والثناء وأخلص آيات الحب والولاء وليتأكد سمو الأمير المعظم أن الشعب بأسره ليرفع أكف الضراعة والابتهال إلى الله سبحانه وتعالى بطول بقاء جلالته ودوام نصره وعزه وتوفيقه على ما شمله، ويشمله من ضروب الرعاية الأبوية، وما يغدقه عليه من سحائب الشفقة والبر والإحسان.

إن حكومة جلالة الملك لم تزل دائنة في كل ما يأخذ بيد الأمة، والبلاد إلى بحبوحة العدل والأمن، والرغد، والاطمئنان رغم جميع الصعاب، والعقبات التي تفرضها ظروف الحرب العابثة، وهي إلى ذلك ساهرة على تأمين حاجياتها، وتوفير رفاهيتها، ما وجدت إلى ذلك سبيلاً، وخير ما فعلت وتفعل إنهاض الزراعة وتنميتها على أحدث الأساليب، وأقربها إلى الإنتاج مما بدأت ثمراته تجنى منذ حين.

لقد شهدت دورة المجلس الماضية وبالأحرى البلاد جميعها تلك الحركة الإصلاحية إلى الحد الذي تسمح به الظروف الراهنة، وأن تضيف إلى هذا التقدير ما تختلج به الصدور في مختلف طبقات الشعب لمضاعفة الجهود التي تبذل في هذا الاتجاه مراعاة للكثرة المطلقة المتعطشة إلى العلم والمعرفة.

ونحن بدورنا نستطيع أن نتقدم إلى سموكم والأمل يعمر قلوبنا مؤكدين أننا لن ندخر من وسعنا في سبيل الواجب وأدائه، والحق وقضائه، والنصح وإبدائه، كلما كان ذلك في حدود اختصاصنا ونطاق صلاحياتنا.

وإذا كنا موفقين بأن سموكم – ولنا الشرف الأكبر برئاستكم لهذا المجلس والساعد الأشد في تعضيده – تهتمون كل الاهتمام بما يعرض على المجلس من أنظمة، ومشروعات، ومعاملات ذات علاقة مباشرة بمصالح البلاد الخاصة والعامة، فإننا لا نرى مندوحة من البر باقسامنا، وتركيز جل اهتمامنا فيما يحقق مقاصدكم ويقربنا إلى الله زلفى.

وهنا نجد الفرصة سانحة للإعراب عن أملنا في أن تشاطر دوائر الدولة، وتشكيلاتها الحكومة، والمجلس في شعورهما بوجوب إعادة النظر فيما تدعو إليه الضرورات، أو المصالح من أوضاع الأنظمة التي دلت التجربة، والوقائع على أنها في حاجة إلى إدخال بعض التعديلات إليها حتى تطابق العدل والإنصاف، وتدلي إلى الغاية المتوخاة والهدف المنشود.

نعم قد تكون المبررات والدواعي الحاملة على ذلك حتى الآن مقنعة في بعض النواحي إلا أنها رغم ذلك تفقد الحركة والنمو والتطور وتبقى راكدة حيث هي من البطء والانكماش. الأمر الذي يتفاداه سموكم وبالتالي المجلس.

ولا يسعنا إلا الإشادة بالبر والشفقة والعطف الذي يتولى جلالة الملك بتوفيق الله تعالى غمر أمته به صباح مساء ذلك البر الذي لم يسبق إليه في أزمنة التاريخ المتتابعة.

وإنه من الوفاء بالأمانة أن نرفع أصوات الشعب إلى جلالته بالشكر والدعاء تلقاء ما اتجهت إليه عنايته الخاصة من توفير المواد الغذائية، وترخيص أسعارها، وتيسير الحصول عليها لكل مستهلك بدون أقل كلفة، أو عناء.

وللمجلس رجاء نتقدم به إلى سموكم في أن تقوم اللجان المختصة بالتموين بالواجبات المكلفة بها من حيث مراقبة أسعار الحاجيات، وصعودها في بعض الأوقات متأثرة باعتبارات وهمية، أو متقلبة والوقوف بها عن الحد الذي يتفق مع مصلحة البائع، والمستهلك على السواء.

ونسأل الله تعالى أن يهيء لنا من أسباب التوفيق ما نبلغ به رضاه، وأن يمد في حياة جلالة الملك المفدى، وحياة سمو ولي العهد المعظم، وسموكم المحبوب، وأن يؤيدكم بنصره، ويحفظ بكم النعمة، ويضاعف لكم الغبطة إنه على كل شيء قدير".

ثم تفضل سمو الأمير أيده الله تعالى وألقى الكلمة الضافية التالي نصها:

"بسم الله الرحمن الرحيم

إن صاحب الجلالة أيده الله تعالى قد تكرم بإبداء ممنويته من المجلس، ولاشك أن الحكومة والأمة تبعاً لجلالته، وإن كانت بعض الظروف الحاضرة قد حدت بعض الأعمال فأنا على يقين أنه مادام الإخلاص موجود فسنسير على ما يرام.

هناك نقاط أشار إليها الأخ في الكلمة التي ألقاها باسم المجلس، وهذه النقاط مهمة وتهم كل مفكر سواء في الدولة، أو في الأمة والبلاد تتطلب إصلاحات كثيرة في مقدمتها الإصلاحات الدينية – وإنا نحمد الله على ما نحن عليه في الوقت الحاضر من هذه الناحية وإن كنا لم نبلغ كل ما تصبو إليه النفس، ولكن كما قيل وكل من سار على الدرب وصل – وما دمنا في الطريق فإنا سنصل بإذن الله تعالى إلى الغاية المنشودة والهدف المقصود.

حالتنا ولله الحمد بالنسبة لغيرنا مرضية من كل الجهات:

أولاً: من الجهة الدينية.

ثانياً: من الجهة الأخلاقية.

ثالثاً: من جهة تحكيم العدالة الشرعية بين الأفراد والجهات.

رابعاً: من جهة بذل المجهود فيما يعود على مصالح البلاد والأمة.

وهذا ما يشعر به كل فرد منا – إلا أن هذا ليس هو كل ما تطمح إليه نفوسنا. نعم هناك بعض المواقع التي تمنع الوصول إلى الغاية المنشودة بالسرعة ولكن المطلوب منا جميعاً كبير، والمسؤولية عظيمة – وهذا هو الشيء الوحيد الذي نسأل الله أن يوفقنا للقيام به على حسب الإمكان.

الأعمال الإصلاحية هي أساس كل شيء – وإذا توفر فيها حسن القصد والاجتهاد تحققت إن شاء الله النظم الموضوعة. لاشك أنها ليست قوانين سماوية، وهي قابلة للتعديل حسب حاجة البلاد – فما كان فيها صالحاً يبقى، وأثبتت التجارب وحاجة البلاد إلى تعديله فيجرى اللازم نحوه.

وإني أحب أن أوصي وزارة المالية بأنا لا نريد الدخول في زيادات بالموازنة، ولكنا نريد أن ندخل في إصلاحات، وأفهم في الموضوع هو ما تقدم أننا كلنا حريصون على أن نكون مخلصين في أعمالنا وأن نتوخى المصلحة العامة في كل شيء، وأن نحرص على بذل كل جهد يؤدي إلى صلاح الأمة والبلاد، وهذا الأمر مفروغ منه. أما النقطة التي أشار إليها الأخ في خطابة السالف الذكر الخاصة بتحريض لجان التموين لتقوم بالواجبات المطلوبة منها نحو مراقبة أسعار الحاجيات وصعودها، فهذا موضوع أحب أن يعلم المجلس حقيقته أن لجان التموين لم تقصر في واجباتها، وكثيراً ما طلبت منا الموافقة على اتخاذ بعض الإجراءات – ولكني أنا أحب دائماً أن لا يقع أي اضطراب في الأسواق، وتشويش على الناس في ذلك المورد، أو المستهلك. وقد أثبتت التجارب أن كل حركة من هذا القبيل تؤدي إلى عكس ما يراد منها – مادامت الحالة ولله الحمد لم تصل أقصاها فقد رأيت من المصلحة عدم الموافقة على طلبات هذه اللجان نحو تطبيق الإجراءات التي ارتأتها.

قد يكون بعض الجشعين أراد استغلال الوقت ولكن بتوفيق الله سبحانه قد خاب ظنهم، فكل الأمور التي وقفنا فيها قد انحلت على ما يرام.

وما كنا نتوقع أن الأسعار تكون في داخل البلاد أرخص من أسعار البلدان الأخرى حتى المصدرة منها وتأكدوا ذلك تماماً.

وهذه عناية إلهية – نعم إن حسن نية صاحب الجلالة الملك المعظم وحسن مساعيه، وحكمته لها دخل عظيم، وهذا توفيق من الله وفضل عظيم.

هذه الهند التي هي المصدر الأكبر لاستيراد الأغذية لا يمكن الاستحصال على الرز فيها ولو بضعف القيمة، هذا بينما بلادنا ليست ذات صناعة، وليست زراعية، ولكن هي العناية الربانية، وستجري الأحوال في المستقبل بإذن الله تعالى كما جرت في الماضي وأحسن.

بقيت المسؤولية العمومية، وهذه يشترك فيها المجلس والدولة والفرد والجماعة:

أولاً: المسؤولية تجاه الرب.

ثانياً: المسؤولية تجاه الشرف والناموس.

  1. إن المسؤولية تجاه الرب تقضي بتضافرنا فيما يرضي الله ورسوله، وإننا ولله الحمد مع كوننا لا يوجد لدينا ما يخل بالدين، فإنا لا نضع في هذا المضمار إلا ما ترتاح إليه نفوسنا من زيادة الاستكمال – إذن فلابد أن نكون كلنا هيئة أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، بموجب ما يقتضيه ديننا – مصداقاً للحديث الشريف:(من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) وليس منا من لا يستطيع الأمر بالمعروف. يبتدئ الإنسان بنفسه ثم بأهله ثم بالأقرب فالأقرب، كلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته.


  2. الشرف والناموس والمحافظة على الأخلاق والآداب التي تقتضيها حيثية الإنسان وشرفه؛ ما هناك أمة بلا أخلاق ولا كيان بلا أخلاق، وسبق من الأقوال فيها الكثير ولكن الأقوال لا تكفي بل لابد من المراقبة الشديدة في ذلك.


نعم إن الجهات المختصة ما قصرت ولكن كل ذلك حسبما يظهر لها وتطلع عليه – هناك مديرية الأمن العام قائمة بواجباتها في كل ما يصل إليها وما تطلع عليه -، ولكنها لا تعلم الغيب، وكذلك هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا كنا حقيقة نريد أن يكون لنا كيان قائم على أساس ثابت، فإنما يكون على أساس الأخلاق الصالحة، وليس فساد الأخلاق في كون الإنسان يزني، ويسرق، أو يعمل أعمالاً ظاهرة الأخلاق داخل فيها الآداب الشرعية والإنسانية، والمعاملات، وحسن المعشر، وحسن السير في العمل، والحكمة في النطق، وهي ركن من أركان الدين، فقد قال صلى الله عليه وسلم يا عائشة إذا ذهب حسن الخلق فقد خسرنا خيري الدنيا والآخرة، فهل هناك مطمع لطامع بعد هذا فإذا حزنا حسن الخلق فقد اكتسبنا خيري الدنيا والآخرة، وكسبنا كل شيء.

نرجو الله أن يوفقنا جميعا لما يأخذ بنواصينا إلى السبيل الأقوم، وأن يحمينا من همزات الشياطين.

والآن باسم الله ثم نيابة عن صاحب الجلالة الملك المعظم، أفتتح أول جلسة لمجلسكم الموقر في دورته الجديدة، وأسال الله أن يجعلها فاتحة خير وسرور وعز للإسلام والمسلمين".