مجلس الشورى عام 1363هـ

"بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل

إلى جناب المكرم الابن فيصل رئيس مجلس الشورى                              سلمه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..وبعد:

فقد اطلعنا على التقرير السنوي لمجلس الشورى، وأعماله في عام 1362هـ المرفوع إلينا برقم 93 ذي الحجة 1362هـ.

ونرغب أن تنقلوا امتناننا للمجلس، وأعضائه عن مساعيهم وجهودهم المشكورة، وحسن ثقتنا بهم، وأن هذه الثقة تحملنا على تمديد مدة عملهم سنة أخرى، اعتباراً من غرة محرم 1363هـ.

نسأل الله لكم ولهم التوفيق والنجاح، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".

بعد ذلك تقدم عضو مجلس الشورى الشيح أحمد إبراهيم الغزاوي، وألقى باسم المجلس الكلمة الآتية، وهذا نصها:

"بسم الله الرحمن الرحيم

يا صاحب السمو

إن المجلس يتلقى بكل فخر وسرور واغتباط عطف جلالة مولانا المليك المفدى وثقته الغالية التي ما برحت تبحث في أعضائه روح الجد والنشاط وتلهمهم بفضل الله وهدايته وجوه الرشد والصواب فيما يعالجونه من اختصاصات.

إننا في الواقع ونفس الأمر عندما نتمثل مهمتنا، ونستقبل باسم الله جل شأنه هذه الدورة الجديدة الميمونة نشر من أعماق قلوبنا بأن أمامنا من الواجبات والتبعات ما يستغرق جميع أوقاتنا ويستوجب بذل أقصى جهودنا في كل ما يطلب إلينا بحثه، ومناقشته من مصالح البلاد، وشؤونها العامة.

يا صاحب السمو:

إن هذا المجلس المتشرف برئاسة سموكم لا يسعه أن يدع هذه الفرصة السانحة تمر دون أن يعلن على رؤوس الأشهاد شكره الصميم على ما يناله من تعضيد سموكم باعتباركم رئيساً له من جانب، وباعتباركم رئيساً للحكومة من الجانب الآخر، ذلك الشكر الذي تستحقه رعاية سموكم، وتأييدكم لقراراته الدقيق منها والجليل مضافاً إلى ذلك ما لا يزال يرن صداه في جوانب هذه القاعة من نصائح ثمينة وإرشادات قيمة وتوجيه صحيح كلما تجددت الدورات وتكررت مراسم الافتتاح، وترأستم جلساته في الأحوال المقتضية، ستجدون سموكم منا تلقاء هذا التعضيد، وهذه الثقة كل اهتمام وجد ومثابرة في واجباتنا إن شاء الله تعالى، وسوف لا ندخر وسعاً في التماس كل وسيلة تؤدي إلى ما ترجون إليه من خير وتقدم وفلاح لجميع طبقات الشعب ومصلحة البلاد ما أسعفتنا الظروف وآزرتنا جهات الاختصاص، وإدارات الحكومة العامة، فلا ريب أن خير ما نقبل به هذا التوجه العالي، وأفضل ما نؤدي به الشكر لهذا الامتنان الكريم إنما هو مضاعفة السهر على ما يناط بنا من مهام وأعمال ومعاملات ومشروعات تتصل بمنافع الشعب وتنهض بمرافقه وتتدرج به في طريق التكامل والتقدم والإصلاح.

نعم – لا ننكر أن للظروف الاستثنائية التي تفرضها ضرورات الحرب العامة أثراً غير قليل في تكييف جميع الإجراءات الإنشائية التي تزمع حكومة جلالة الملك المعظم القيام بها والتي تنوي أن تحققها في سبيل الحياة العمرانية والعلمية والاقتصادية في كافة أبواب الإصلاح، إلا أنه على الرغم من كل ذلك فإن ما بلغته البلاد حتى الآن بفضل السياسة الرشيدة والحكمة المتوخاة من قبل حكومة جلالته وعلى رأسها سمو مولاي الأمير المعظم يكاد يكون الغاية مما يمكن الحصول عليه في الأزمات الراهنة التي تجتازها أمم العالم قاطبة، والتي لا يمكن التخلص من نتائجها في كل البلدان والشعوب القريبة منها والبعيدة.

يا صحب السمو:

إن لنا الشرف الأكبر والفخر العظيم بتلك الرحلة المباركة التي قمتم بها إلى أقصى الأرض عبر المحيط الأطلسي، وقطعتم أبعد المسافات على متون الجو، وبين لجج الأحداث الجلي، ومخاطر الحرب الزبون.

وإذا كنا ننوه بذلك في هذه المناسبة فإن في هذه الرحلة الشاقة الطويلة ما يبرهن من جديد على ما تتجشمونه سموكم من أعباء جسام في سبيل مجد العرب وهنائهم ورفع مكانتهم في الأوساط الدولية الكبرى وهي فوق ذلك دليل ساطع على ما لجلالة الملك المفدى من مآثر خالدة لا تفتأ تزين صحائف التاريخ وتجعل كل عربي موضع الكرامة والاعتبار. ومهما أجملت القول فإنه من الحق على الأمة وعلى المجلس بوجه خاص أن يشكر الله سبحانه وتعالى على ما وفق إليه ولاة الأمر من أمن شامل وبر عام وتموين منظم وتعليم مطرد ينمو مع السنين والأعوام.

يا صحب السمو:

إن مجلس الشورى مستعد كل الاستعداد وحريص كل الحرص على أن يكون عند حسن ظن جلالة مولانا الملك المفدى، وسيعني ما استطاع لمعالجة كل ما هو داخل في نظاق صلاحيته، وهو إلى ذلك يرجو ويعتقد أن عموم دوائر وتشكيلات الحكومة متكاتفة في القيام بواجباتها على أتم، وأوفى ما يجب أن تؤديه وما يطلب منها للصالح العام، مترسمة في جميع ذلك أدق أحكام الأنظمة المصدقة الواجبة الاتباع، والتي لا مناص من تطبيقها طالما هي مكلفة بذلك ومسئولة عنه.

يا صاحب السمو:

إن الحكومة تشبه في مجموعها آلة كبرى تتألف من أجزاء شتى منها الكبير ومنها الصغير، وهي في سيرها متعاونة ومتضافرة؛ فأيما عطل، أو خلل يطرأ على جزء منها يؤثر في حركتها جميعاً، لذلك يرجو المجلس من جميع الدوائر المركزية والفرعية، ومن كل موظف، ومأمور أن يتعهد شؤون عمله كما لو كان ذلك العمل عائداً عليه مباشرة بالنفع في حالة إحسانه، وإجادته له وبالعكس بالضرر البالغ عليه وعلى الأداة كلها في حالة الإهمال والإخلال.

وختاماً نشكر لسموكم تفضلكم بهذا التشريف ونضرع إلى الله تعالى أن يمد في حياة جلالة مولانا الملك المعظم، وسمو ولي عهده المفدى، وسموكم المحبوب، وأن يحقق في ظل جلالته للأمة والبلاد أقصى ما تصبو إليه من أهداف إنه سميع مجيب".

ثم تفضل صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن عبد العزيز أيده الله تعالى وألقى الكلمة التالية، ونصها:

"بسم الله الرحمن الرحيم

نسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما فيه الخير، لاشك أن ما قاله الشيخ أحمد إبراهيم الغزاوي نيابة عن المجلس هو كاف شاف، والعمل مطلوب منا جميعاً، وهو بالنسبة لنا عظيم لأن الإنسان مهما كان معرض للقصور والخطأ وإنما إذا توافق حسن القصد مع جودة العمل فهذا الأساس الذي يبنى عليه.

لقد أشار الأخ عن الهيئة الحكومية وأنها كآلة كبرى مؤلفة من عدة أجزاء وهذه هي الحقيقة وقد طلب الأخ في موضع ثان إلى جميع الجهات الحكومية، والدوائر المسئولة التكاتف، والتآزر لما فيه الصالح العام. وهذا أقدس وأهم واجب على الإنسان؛ لأنه بدون التعاضد، والتكاتف لا يمكن أن ينجح عمل، أو تدرك غاية، والله سبحانه وتعالى قد حث في محكم التنزيل على الاتحاد والتآزر في جميع الأعمال. وقد جاءت الأحاديث النبوية تحث على هذه الغاية؛ ثم بعد ذلك ننظر في جميع بلاد العالم، فنرى أن كل عمل لا يكون مؤسساً على التعاضد والتآزر، والإخلاص يكون عقيماً والواجب ليس مفروضاً على أحد دون آخر، بل هو واجب يشترك فيه الكبير والصغير والقريب والبعيد.

فلا يمكن أن أي إنسان يتخلى بدعوى أنه غير مسئول، أو غير مكلف. في بلاد العالم التي أمكن أن يراها الإنسان، أو يطلع على مجرى الأحوال فيها، يجد الناس يتساءلون لماذا بلغت هذه الدرجة من العظمة.

لا شك أن هذا السؤال يخطر على بال كل إنسان والذي ما رأى ولا اطلع ربما يفهم بعض الأشياء من النقد ولكن الذي احتك، أو توصل إلى الاطلاع يفهم السبب الذي أبلغهم إلى هذه الدرجة من العظمة، وأن السبب في ذلك هو:

  1. الإخلاص والجد في العمل.


  2. أن كل فرد يعتبر نفسه مسؤولاً مكلفاً بأكبر واجب عليه تجاه الأمة والوطن.


هذان السببان صارا أساساً بنت عليه الأمم الراقية مجدها ورقيها وحضارتها – وإننا إذا نظرنا إلى حالتنا نجد عندنا أساساً أمتن، وأمكن من أساساتهم، وهو الأساس الروحي، فهل حققنا ذلك؟ هذا الذي يجب أن نحاسب أنفسنا عليه – كثير من الناس ولا أقول أنهم في بلادنا، يعتقدون أن الدين مع المواقع التي تحول دون الرقي والتقدم – ولكن هذا الادعاء باطل من أساسه؛ فالدين شرعه الله لعباده ليس خاصاً بأمة دون أمة، ولا زمن دون آخر – فالخالق الذي هو عالم بما كان وما سيكون لا يمكن أن يفرض شيئاً لا يتفق مع أي زمان، وأي أمة وبالأخص الدين الإسلامي الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم لكل الأمم، وهو خاتم الرسل. فلو كان هناك دين، أو رسالة ستطرأ على العالم فيما بعد لما كان محمد خاتم الرسل فمن هذا نعلم أن هذا الدين لكل أمة ولكل زمن.

فلو حققنا ما فرضه هذا الدين لما احتجنا إلى شيء.

الدين يقضي بالاستزادة من مكارم الأخلاق، والاستزادة من كل حضارة وكل تقدم، وكبح جماح النفس، والنفوس التواقة إلى الشر هي التي لا تنظر إلى الدين بهذه النظرة – لو كبحنا جماح أنفسنا ورجحنا المصلحة لوجدنا أن الدين يحثنا إلى كل ما فيه الخير حتى في حواس نفوسنا التي لا يعلمها إلا خالقها فإذا وفقنا وعرفنا كيف نحاسب أنفسنا بعد هذا نرجع إلى الاستفادة مما قضاه علينا ديننا فنخلص العبادة لله، وإخلاص العبادة لله ليس معناه طول السبحة، أو أخذ السجادة والصلاة عليها بالليل والنهار.

فإن هذه ليست مفيدة إذا لم تكن مبنية على إخلاص ومعرفة بالعبادة.

من الإخلاص لله أن نخلص لأماناتنا وأنفسنا، وأن نخلص لبعضنا البعض، وأن نتناصح ونتعاضد اتباعاً لما يأمر به ديننا وشريعتنا. لو تتبعنا ما جاء في محكم التنزيل، وما ورد في الأحاديث الشريفة، وما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لو جدنا كلها مبنية على هذا الأساس.

الأعمال الدنيوية – هل الدين يمنع أن نكون أقوياء – لا.

هل الدين يمنع أن نكون أقوياء أفاضل – لا.

مطلعين على كل شيء – لا.

إذا كان من ينظر إلى الدين بأنه مانع للرقي؛ فهو ظالم لنفسه مجابه لما فرضه الله، ومنكر لكل النواميس السماوية، هذه الحقيقة.

لقد سمعت من أناس من المسلمين – ولا أقول في بلادنا – بنسبة كل تأخر في المسلمين إلى الدين؛ لكننا لا نجد عند أي إنسان حجة، أو بيان يؤيد ذلك.

هناك شيء واحد يمكن للإنسان أن يخفف مسؤولية الجمهور، الذي ينظر إلى الدين نظرة غير صحيحة، ذلك هو مسؤولية العلماء.

فرجال الدين أوحوا إلى الناس، وفرضوا عليهم، وقيدوهم بأشياء ما أنزل الله بها من سلطان، وتركوا الأساس الذي يجب أن يتبعوه، وأفهموا الجمهور أن الدين قد فرض هذه العبادات، والزمهم بتطبيقها والله سبحانه وتعالى لم يفرضها عليهم فهذا الضغط هو الذي سبب الانفجار.

الجمهور الذي لا يعلم من الحقيقة شيئاً ويرى أمامه هذه الأشياء معذور إذا نسب إلى الدين كل تأخر؛ لأن العلماء ورجال الدين في تلك البلاد هم السبب في نكبة الدين، فالأغراض شخصية، ومنافع مادية، فرضوا في الدين ما ليس فيه من قيود، وتركوا الأساس وروح الدين الحقيقة، ولم يبينوها للجمهور، وهو لا يعرض عنها شيئاً؛ فكان ذلك سبباً للانتكاس.

يذهب الإنسان إلى بلد من بلاد المسلمين وينظر إلى العبادات إلى العادات إلى التقاليد، يجد في العبادات مظاهر وخرافات ينكرها العقل السليم، ولكن من جهة أخرى لا يعرف الحقيقة فهو معذور.

نعم إنه معذور لكن يجب أن نطلب الحقيقة، فإذا فهمنا هذا وجب علينا أن ندرس قبل كل شيء حقيقة أنفسنا، ويجب أن نعتقد أن هذه البلاد التي انبعث منها النور الإسلامي للعالم أجمع يجب أن تكون هي الأساس الذي يرجع إليه في طلب ذلك النور – فهل فينا من فكر في هذا – نعم إني لا أنكر من فيه الخير، وأكثرنا يكون قد فكر فعلاً، ولكن يجب أن نعمل لأن مجرد التفكر لا يكفي، وإذا فكر الإنسان وكان لا يستطيع العمل فهو معذور، أما إذا كان في استطاعته أن يعمل فهو غير معذور – فيجب أن نعمل لتنقيح المعتقدات التي أضرت الناس وأهلكتهم وقضت على الدين الإسلامي – وما نراه من التأخر ليس الذنب فيه للدين بل للبدع التي أدُخلت عليه.

لا يمكن أن ننسب إلى الدين أي تقصير، بل يجب أن نتحرر من هذه المسؤولية لنقوم ببعض الواجب، أما بلوغ الواجب الأعظم فلا يمكن أن ندعيه – ولنتحرر من هذه المسؤولية يجب أن نتناصح ونتذاكر ونتدارس الروح الحقيقة للدين – وليس فينا من يدعي أنه عالم بكل شيء، ولكن إذا كان عنده شيء يرجع إلى أخيه، وإلى من هو أعلم منه فيما لا يعلمه. هذا الأساس الذي يجب أن نبني عليه عملنا فإذا انتقلنا إلى الدرجة العالية نظرنا إلى النواحي الدنيوية تقوية لديننا.

إذا كنا ضعفاء – ما أمكننا تحقيق معالم ديننا.

إذا كنا فقراء – ما أمكننا نعمل كل ما نريد.

كان الرسول وأصحابه فقراء – ولكنهم أغنياء بالروح – ولا نستطيع أن نبلغ درجتهم وإنما يجب أن نأخذ منها ما استطعنا. يجب أن نمرن أنفسنا ونعودها على التشبث في تذليل الصعوبات، وليس النجاح مفروضاً في كل مشروع، بل كل مشروع معرض للنجاح والفشل، ولكن يجب أن لا نفشل في اعتقادنا وأن نكون أقوياء متحضرين لعمل الخير، ويجب أن نتعاضد في هذا الميدان ونتناصح، ويشد بعضنا أزر بعض ابتداء من الفرد إلى المجموع، هذا من جهة ومن جهة أخرى فقد جاءت كلمة الأخ: "إن الحكومة تشبه في مجموعها آلة كبرى تتألف من أجزاء شتى"، نعم هذه الآلة هي مجموعة يشترك فيها كل فرد، ويجب أن تكون من الأمة وإلى الأمة، الأداة الحكومية يجب أن يتوفر فيها الإخلاص والعمل والنشاط والمثابرة وحسن النظر وإلى آخره.

فإذا أخفقنا في هذا فالجناية أكبر لأننا نجني على أنفسنا وعلى أمتنا وعلى بلادنا وعلى من بعدنا – فالمسؤولية ليست قليلة.

إذا كان الإنسان ينظر فقط لوظيفة لمجرد عمل قام به في وقت من الأوقات وأنهى ما أمامه من الأوراق لا أقدر أن أقول إنه خائن – لكني أقول إنه مقصر ومسؤول أمام الله ثم أمام الناس وضميره – لان عمل الإنسان ليس عبارة عن أوراق تعرض عليه ويشرح عليها؛ بل لابد أن يفكر فيما تحتويه هذه الأوراق وأن يفكر فيما يجب أن يجري فيما وما ينتج منها – فهل حققنا هذا ؟؟ حصل فينا أحد نظر في عمله بهذه النظرة ؟

إني لا أقول أن أنفسنا في حالة سيئة، ولكن الإنسان إذا فكر في نفسه وما يجب أن يكون – نرى أنفسنا في حالة سيئة – والسبب في ذلك من أنفسنا – فليس علينا تأثير خارجي متحكم فينا ولم يحكمنا غير الله، ثم جلالة الملك – فهل ننسب إلى جلالة الملك أنه في يوم من الأيام قصر في أي عمل! الإنسان بشر يمكن أن يخطئ ويصيب، ولكن إذا نظرنا إلى غاية جلالته ومطالبه وما نراه ونسمع عنه – هل يمكن لأحد أن يحكم عليه بغير الإخلاص.

فهل تأسينا بجلالته في جميع أعمالنا! لا أقول أحد دون آخر أنا أولكم أقول الحقيقة. أنا أول واحد – مقصر، وأن أحب شخص إلي من يصارحني بأني قصرت، وهذا أعلى واحد – هذه الحقيقة – لأني إذا قبلت مدح إنسان بما ليس في؛ أكون خائناً لنفسي غاشاً لها، والفرق بيننا وبين المنافقين؛ أن المنافقين يظهرون مالا يبطنون، فإذا كان الشخص يوصفني بأني أحسن واحد، وأشطر واحد، وأنا أعرف نفسي خلال ذلك، فيكون هو غاش لي وخائن لأمته – فأنا أطلب أولاً من نفسي ثم منكم، ومن كل فرد من الأمة أن يصارحني بكل ما يرى من عيب، أو تقصير بكل صراحة لا بالإشارة – اقسم بالله أن أبرك ساعة عندي هي الساعة التي يأتيني فيها أحد ويقول إني مخطئ ومقصر – وليس قصدي التزلف لكم بهذه العبارة فأنا لا أخاف أحداً منكم، ولا أرجو غير الله ثم جلالة الملك.

ليس في الأمانة في شيء أن تروا قصوراً ولم تصارحوني فيه – أنا منكم إن قصرت فعليكم، وإن أحسنت فلكم، أما من جهة نفسي فإني أعيش كالناس إذا قصرتم فعلى أنفسكم وإذا خنتم فأنفسكم، وإذا أهملتم فإنما أهملتم أنفسكم. اظهروا لي الحقيقة ناصعة واضربوا بالحق وجه كل من يخالفه – فإذا ثبتت هذه القاعدة فإني أضمن لكم النجاح، والذي ضرنا أننا نرى المسيء ونطريه بالإحسان، ونرى الخائن ونقول له هو الأمين، ونرى السارق ونقول هو المخلص، وهذا سبب تأخرنا، وضعف في الأخلاق. نرجع للأول: إذا جئت لأي إنسان وقلت له إنك مقصر في عملك – تألم وأظهر الخوف من قطع المعيشة، بينما المؤمن حقاً يعلم أن المكتوب في اللوح المحفوظ يصل إليه – والذي لم يكن مكتوباً لا يصل إليه – ولكن ضعف الإيمان – ضعف الأخلاق هما اللذان أوجبا ذلك. أرى كثيراً من الناس لهم أعمال غير مشرفة أنتم تعرفونها، وإذا دخل واحد منهم رفعنا من منزلته، فلو اتبعنا قاعدة إهانة من أهان نفسه بأعمال غير مشرفه، والاشمئزاز من كل عمل يشين، لما وقع شيء من ذلك.

عند رجال البادية قاعدة شريفة سميت به إلى أن تسموا بالشجعان، تلك القاعدة أنه إذا أذل واحد منهم وجبن وقت المحنة ضربوه في وجهه، وأخرجوه من المجلس لأنه لا يليق به. فلو عملنا مع أنفسنا هذا العمل ما كان فينا مقصر ولا خائن ولا مهمل ولا متزلف، ولكن يا للأسف ربما نتبرع بالدفاع ونقول هذا مخلص وهذا أمين وهذا المبدع، وهذه أكبر نكبة. فهل هذا من الواجب هذه هي الخيانة والتقصير والإهمال، وكلنا نعرف ذلك فهل عملنا على المقاومة. إننا سائرون في ليل، ولكن كما يقول العامة شد لي واقطع لك، وكونوا لله قبل كل شيء، ثم كونوا لأمتكم ووطنكم وأسسوا لبنيانكم على أساس متين إذا كنتم تريدون النجاح وإلا فاسلكوا طريق من رأيتم وستكون الحالة إلى الوراء. هذا شيء وليس خاصاً بفرد، أو جهة من الجهات بل كل فرد مسؤول. بالأمس تكلمت مع هيئة الصدقات، وأوضح رئيسها أنه إذا كلف شخصاً بالتحقيق يعتذر عن إيضاح الحقيقة خشية من قطع المعيشة – فهل هذه الروح تبشر بخير؟؟ إنها طعنة في الصميم. نحن رأينا الأمم وشاهدنا أناساً يقفون على المنابر يطعنون في رئيس الحكومة بأنه خائن مقصر مهمل، فهل هذا موجود عندنا؟؟

قد يقول أحد أنه ليس عندنا حرية رأي – وهو قول مردود – فأي بلد تتمتع بحرية رأيها مثل ما عندنا، يقف الفرد من أفراد الشعب، ويوقف مليك البلاد في وسط الشارع ويبث إليه شكواه؛ فهل بعد هذه حرية رأي إلا إذا كان القصد من حرية الرأي اتخاذ ميدان للتطاعن الشخصي ويتبادل السباب والشقاق والشتيمة فهذه ليست بحرية رأي – إنما حرية الرأي أن يكون الشخص مخلصاً في رأيه الذي يبديه. هل يستطيع أحد أن يقول إنه أبدى رأيه وعوقب عليه، إني مستعد لإنصافه إذا وقع ذلك.

كل إنسان يطلب المحافظة على كرامته وحقه، فغيره يطلب مثل هذا الطلب وليس عندنا ولله الحمد فرق بين رئيس، ومرؤوس في الحق العام والرجل في الشارع، وأكبر رأس في البلاد أمام الحق سواء.

تنقصنا الشجاعة والإخلاص ؛ فإذا عرفنا الداء وجب علينا جميعاً مقاومته، وإلا كما قلت أولا سيسري على المجموعة ولمن بعده وتكون الجناية عظيمة على أنفسنا وعلى من بعدنا.

النقطة الحساسة هي التي يجب أن تكون موضع المعالجة فأنا شخصياً لا أحب أن ابحث في المعاملات لأنها أمور ثانوية، والمهم أن يصفي الروح قبل كل شيء، ونبني عليها أعمالنا، فإذا فعلنا ذلك يكون البناء ثابتاً ودائماً، ويوصلنا إلى الغاية التي ننشدها – نرجوا الله سبحانه وتعالى أن يحقق الآمال ويجعلنا مخلصين مجدين لما يتطلبه الواجب الأعظم منا.

أنا ما أحببت أن أشكركم، لأني لا أحب طريقة المقايضة في الشكر لأننا يجب أن نشكر بعضنا – وإني والله يا أخي – مريض في نفسي وروحي من أماني لم تتحقق بعد.

والآن باسم الله ثم نيابة صاحب الجلالة الملك المعظم أفتتح أول جلسة لمجلسكم في دورته الجديدة، واسأل الله أن يجعل فيها الخير والبركة للبلاد والأمة، وأن يمن علينا بالقيام بما يجب علينا".